رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

حرية التعبير

بوابة الجمهورية
إن الحديث عن الإصلاح حديثٌ ذو شُجون، وميادينُ الإصلاح كثيرةٌ؛ في إصلاحِ الفرد وإصلاح المجتمَع وإصلاح الدين وإصلاحِ الدنيا، في شؤونِ الاقتصاد والاجتماعِ والسياسةِ والتعليم والعِلم والعمل والرِّجال والنساء والأُسَر والبيوت. 

وإنَّ من أهمّ بوَّابات الإصلاح وأوسعِها وأعظمها أثرًا بوّابة الحوار والنقاشِ في ظل المشروعية القانونية والأخلاقية لحريّة الكلمة، وحرية التعبير، والانفتاح على الآخر، ونبذ الإقصاءِ والتهميش والمصادَرَة والتصنيف.
فالموضوع كبيرٌ وخطير، تدور عليه مصائِرُ أفراد وأمَمٍ وبناء بيوتٍ ودول.
وأخصّ خصائصِ الإنسان أنّه وحدَه المخلوق المتكلم، فهو المخلوق الوحيد القادِر على التعبير عمّا بداخله من عواطفَ وانفعالاتٍ وأشجان ومقاصدَ ورغبات وإرادات، يعبِّر عنها بالقولِ وبالكتابة، ومن خلال هذا التعبير يتكون الجسر الرابط بين الإنسان والإنسانِ، ومن تكلَّم وحدَه أو خاطب نفسَه عُدّ من الحمقى وناقصِي العقول، إن لم يكن من المجانين وفاقدِي الأهليّة. فإنَّ الناس تتبادَل الكلام فيما بينها للبناءِ والتفاهم، وليس للمواجهة والتصادُم.
ومن أجلِ هذا كلِّه فإنَّ الكلمة هي عنوان العقلِ وترجمَان النفس وبرهان الفؤادِ، فالكلمةُ لها مكانتُها، بل لها أثرُها وخطرُها. ومن أجلِ هذا فيجب أن تكونَ لها حرّيّتُها، كما يجِب أن تضبط حرّيّتها؛ فالحرية مسؤوليةٌ.
وبكلمةِ الحقّ الصادقة النزيهة تُبنى العقول وتُشاد الأوطان، فإن صلَحت الكلمة صلَح المجتمع كلُّه، والعاقل من الناس لا يتكلّم إلا لحقٍّ يبيِّنه أو باطلٍ يَدحَضه أو علمٍ ينشره أو خيرٍ يذكره أو فضلٍ يشكره.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ العبد ليتكلَّم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفع الله بها درجاته، وإنّ العبد ليتكلَّم بالكلمة من سخَط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنّم»، وقال أيضا: «المسلِم من سلِم المسلمون من لسانه ويدِه».
فهذه هي الكلمةُ في قوتها وأثرِها، وحرية التعبير عن الرأي هي جزء لا يتجرأ من النظامين الاجتماعي والسياسي في الإسلام، ومع إقرار حق كل القوى الشعبية في ممارسة حرية التعبير والتجمع وسائر الحقوق الشرعية، والتعاون في ذلك مع كل القوى الوطنية،
كما أن التسامح المجتمعي هو مؤسس حضاري آخر يقضي بمنح الآخرين حريَّة التعبير عن الآراء والأفكار التي تُغاير الآخرين, كما يَسمحُ بالعيش وفقاً للمبادئ والمعتقدات التي لا نَدينُ بها سويَّة؟
ومن أجل كل ما سبق أصبح من أهم الضروريات أن نعرف: كيف تكون حرّيّة الكلمة؟ وكيف تُفهَم حرية التعبير؟
أولا يجب أن ندرك أن القرآن الكريم يؤكد على آفاق واسعة من الاختيار والتصرف المربوط بالمسؤولية، وأنه يقرّ بتعددية الآراء وتنويعها، حيث يقول تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود:118] ، ففي كل الأحوال يجب أن تكون آراء متعددة في المجتمع الإسلامي تعكس تنوعه وتياراته الفكرية، وهذا لا يقتصر على الأمور الدينية والعبادات والعقائد، بل كل نشاط إنساني في التفكير، والنقد والمعارضة وتقييم الأمور السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

إن الحرية المسؤولة غايتها الإصلاحُ والبناء وليس الهدم والإفساد، والتعاونُ والتفاهم وليس الشّقَاق والتّصادم، وحرّيةُ التعبير وحرّيَّة الكلمة والكَلمةُ الحرّة قِيَمٌ حضاريّة عالية، بل إنها من أهم منجزات البشرية الخلاّقة، ومنَ المعلوم لدى العقلاء أن الإنسان يوزَن بكلامه، ويحكَم عليه من لسانه، فالساكتُ مَوضِعَ الكلام محاسَب، والمتكلِّمُ في موضعِ السكوتِ محاسَب، وكلامُ الزور إثمٌ وفجور، «وكفَى بالمرء إثما أن يحدِّث بكلّ ما سمِع».
إذن فلا بدَّ لهذه الحرّيّة من ضوابط، ولا بدَّ لهذه المسؤوليّة من معايير، وبغيرِ الضوابطِ والمعايير تنبُت الفوضى العَمياء التي تُعلِي شأن الظلم والظالمين، وتزيِّف الحقائق، وتقود إلى النتائجِ العكسيّة، فيخنَق الضمير وتموت الحرية.
ومما ينبغي أن يُراعى في ضوابط حريّة التعبير وحرية الكلمة الإخلاصَ وقصدَ الحق والتجرّد من الهوى والحذَر من توظيف الكلمة للانتصارِ للنفس والعصبيّة.
كما يجِب مراعاةُ ظروفِ الزمان والمكان والأحوال في الحوارات والمناقشات والردود وخطاب الناس، فيراعَى أحوالُ المخاطبين علمًا وثقافة، إذ يجب تخفيف أجواء التوتُّر وبسطُ ثقافة التعاوُن والمحبَّة وحُسن الظنّ وابتغاء الحقّ والتجرّد له وقَبوله ممن جاءَ به وحقّ الاختلاف، مع التأكيد واليقين أن هذا لا يتعارض مع حقِّ الدفاع عن القناعاتِ والردّ على المخالف بأدبٍ وسلامة قصدٍ وصدر وتلمُّسٍ للحق في علمٍ وبصيرة وهُدى.
وفي جميع الأحوال لا تجوز السخريةُ بالناس ولا الاستهزاءُ بهم ولا التطاولُ على الحقّ، فهذه ليست حرية تعبيرٍ ولا حريةَ رأي، ولكنها فوضَى وهمجيّة، بل سلوك لا يلِجُه مَن يحترم نفسَه ويحترم الآخرين.
أما حرية التعبير بالتصور الذي يستند إليه الذين يهاجمون مخالفيهم ويتمادون في حريتهم بالسخرية منهم، وما نراه من المزايدات اللفظية والإعلامية المستظلة زورا بمظلة حرية التعبير، فهي دعاوى حق يراد بها باطل، وهي حرية مرفوضة، وحرية لا يجوز الدخول فيها أو ممارستها من قبل منسوبي الفكر والثقافة الجادة، وعلينا جميعا كمواطنين نأمل في التقدم والرقي أن نجري عملية تقييم ذاتية صادقة وشفافة لكل مفردات خطابنا النقدي، ومن الأولى أن يكون صاحب الكملة المنتسب للثقافة قدوة لغيره في القيم الإنسانية النبيلة التي تحترم كرامة الإنسان وتحترم حرية الفكر والتعبير.
ولا يخفى على ذي عقل أنه ليس كل من يخوض الحوار ويحتمي بحرية التعبير بريئا، وكل يوم تنفتح أعيننا وعقولنا على حشد ضخم من التراجعات والإحباطات والخدع التي جعلت الشك يتحول إلى قيمة سلبية عامة في عالم أصبح التدخل فيه عدوانا على الحق في الاختيار، والحق في التكوين الذاتي للشخصية، والحق في استعمال التقنيات الحديثة من دون رقيب، وأخيرا وليس آخرا، الحق في المشاركة في صنع العالم.
وختاما أقول: لا جدل أن حرية التعبير عن الرأي تعتبر من الحقوق الأساسية للإنسان التي حرصت دساتير وقوانين كثير من الدول على تأكيدها، وأسس لها قبل ذلك الأديان السماوية كمبدأ عام يؤكد على حرية الرأي وحق التعبير عنه، لكن لها ضوابط ومعايير توجب على احترام حقوق الآخرين وعدم تعريض سمعتهم للإهانة، وحماية الأمن القومي والنظام العام والآداب العامة وسلامة المجتمع.
بقلم - محمد الطايع:




تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة