رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

أزمة هوية تهدد حلف الناتو في عامه الـ 70

بوابة الجمهورية

العدو لم يصبح مشتركًا

في كتابه "العام 501: الغزو مستمر"، يقول اللُغوي والمفكر الأمريكي ناعوم تشومسكي إن النظام العالمي الجديد لم يقم بعد، وإن أحداث ما بعد الحربين العالميتين ليست سوى امتداد للحقبة الاستعمارية. حلف شمال الأطلسي "الناتو" أحد أبرز نتائج انتهاء الحرب العالمية، حيث ظهر إلى النور لمواجهة تحديات عظمى، لكن ما لبث المؤسسون أن وقعوا على وثيقة الحلف، حتى ظهرت تحديات أخرى تهدد الحلف نفسه، والآن يعاني الحلف من أزمة هوية تهدد خطابه التأسيسي في مقتل.


ظروف مواتية لانشاء الناتو

لم تكن الظروف مواتية لإنشاء الناتو أكثر مما كانت عليه في أربعينيات القرن الماضي؛ العدو واضح، خطة مارشال تنفذ بحق، الجماعة الأوروبية للفحم والصلب أُسست، الاتحاد الأوروبي يرى النور، العلاقات مع الولايات المتحدة في أقوى حالاتها، دعم إسرائيل على أشده، الاتحاد السوفيتي في طريقه إلى الانهيار، الاتجاه قوي نحو إنشاء المنطقة الاقتصادية والعملة الموحدة، العالم الإسلامي مفتت، الأتراك مهزومون ومنشغلون بالانقلابات العسكرية الواحد تلو الآخر، الصين تخوض حربًا ما بين الرأسمالية والشيوعية، شبة القارة الهندية قُسِمَت إلى باكستان وبنجلاديش والهند، آسيا وإفريقيا ما تزالان تنفضان تراب الاستعمار والحروب الأهلية، أزمات هوية قسمت أبناء الوطن الواحد إلى دول قومية مفتتة بناء على رؤية الرجل الأبيض.

غمام يعكر صفو الود بين الاخوة الاعداء

لكن الأمر لم يسلم من بعض ظلل الغمام التي لبدت جو الصفاء والود الجديد -والغريب- بين الإخوة الأعداء في أوروبا. تطفو على السطح من حين لآخر بعض التقرحات من الدمامل والندوب التي خلفتها أحقاب طويلة من الحروب بين الأوروبيين. تاريخ أوروبا مسطر بدماء الملايين، فحواضر لندن وأمستردام وباريس وبروكسل وغيرها شيدت على جثث وأشلاء ملايين القتلى من الجنود والمدنيين، ولم ينج من ذلك إلى حد ما سوى برلين التي غزا منها هتلر جيرانه الأوروبيين، حتى هُزِمَ شر هزيمة، اضطرت ألمانيا بعدها إلى دفع المليارات إلى جيرانها تعويضًا عن مصابهم.

ولادة حلف الناتو

هكذا ولد حلف الناتو في 4 أبريل 1949، بتوقيع 12 دولة من أصل 29 عضوًا حاليًا، في جو تعتلج فيه الاختلافات مع التحالفات؛ فبذرة نواة هذا التحالف بالأساس كانت الشقاق الأوروبي، حيث ولد الحلف من رحم اتفاقية دانكرك الموقعة بين فرنسا والمملكة المتحدة في 4 مارس 1947 لمواجهة التهديد الألماني.

الاستعلاء البريطانى

منذ مهد الحلف، استكبر البريطانيون على جيرانهم الأوروبيين، برفض الانضمام إلى العملة الموحدة، والتململ من الاتحاد الأوروبي -هكذا البريطانيين طبعهم منذ غزت قبائل الأنجلو ساكسون الجزيرة البريطانية واستوطنتها، في القرنين الخامس والسادس الميلاديين، فخروج بريطانيا المخطط له من الاتحاد الأوروبي ليس بالأمر الغريب، بل هو الامتداد الطبيعي للغطرسة البريطانية التي لا ترى في الآخر سوى تابع يسير ورائها، حتى داخل نسيج المجتمع البريطاني نفسه من إنجليز وإسكتلنديين وأيرلنديين وأهل ويلز.

سكتة دماغية للناتو على لسان ماكرون

تقلب الحلف لعشرات السنوات ما بين سمان وعجاف إلى يومنا هذا؛ في 3 ديسمبر الماضي احتفل زعماء الناتو في لندن بذكرى تأسيس الحلف بعد أن أتم عامه الـ 70، في جو مشحون بالتوترات والتصرفات الصبيانية بين زعماء الحلف، أكثر مما كان متوقعًا. ففي 7 نوفمبر الماضي، وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الناتو بأنه يعاني من سكتة دماغية، وهو ما استرعى انتباه قادة الحلف لا سيما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي وصف تصريحات ماكرون بالمسيئة، وأكد على أن "الأصدقاء" هم من يحتاجون إلى الناتو أكثر، في إشارة إلى الأوروبيين، وبالطبع من ضمنهم ماكرون نفسه، الذي ذكره بالفشل الفرنسي في الحرب العالمية الثانية.


التحالفات العسكرية ضرورة مع الصعود الروسى الصينى

ماكرون نفسه يعلم هذا جيدًا، لا سيما في ظل الانسحاب الأمريكي من التحالفات العسكرية والاقتصادية مع الأوروبيين تحت إدارة ترامب. فالاتحاد الأوروبي وحده عاجز عن مواجهة العدوين اللدودين، روسيا والصين، وهما على مقربة منه جغرافيًا، على عكس الولايات المتحدة التي يفصلها عن باقي العالم محيطين كاملين. وإذا ما وضعنا في الحسبان الصعود العسكري والاقتصادي لروسيا والصين بصورة غير مسبوقة منذ عشرات السنوات، فالخطر أشد.

ذلك مما دعى ماكرون إلى الدعوة إلى إنشاء الجيش الأوروبي الموحد لمواجهة روسيا والصين، بل والولايات المتحدة إذا ما اقتضى الأمر في المستقبل. فلم يعد ضمان لعلاقة الصداقة بين أوروبا وأمريكا، وقد تتطور إلى عداء في المستقبل. ولم لا؛ فالروس، هذا العدو اللدود، ليسوا سوى أوروبيين هاجروا من شمال أوروبا إلى شرقها، وما لبث أن استقر بهم المقام هناك، حتى حاربوا جدودهم في إسكندنافيا واحتلوهم.

المطالبات بجيش اوروبى موحد

لكن ما الداع إلى وجود جيش أوروبي موحد إذا كان الناتو قائمًا بالفعل؟ من أسباب ذلك تجاهل بعض الأعضاء في الحلف شرط إنفاق 2% من الناتج القومي الإجمالي على ميزانية الدفاع الذي اتفق عليه أعضاء الحلف في عام 2014، لا سيما وأنه لا يوجد جزاء للمخالفين في وثيقة الحلف. وقد أحرج ترامب رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، بسؤاله إذا كان قد دفع نسبة الـ 2% أم لا. بالطبع ترامب يعلم أن كندا دفعت أقل من ذلك، لكنه أراد بسؤاله أيضًا إحراج ترودو، بعد أن التقطت الميكروفونات صوت ترودو وهو يسخر من ترامب بصحبة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون وآخرين، في تصرف صبياني يهز من صورة زعماء دول العالم المتقدم!

ازمة شرط الانفاق

يقول البيت الأبيض إن 9 فقط من الأعضاء يدفعون نسبة الـ 2% كاملة، بعد أن كانوا 4 فقط في عام 2016، لكن ترامب يريد أيضًا رفع المخصص العسكري إلى 4%، وهو ما قد يصعب على الأوروبيين، بل وعلى الأمريكيين أنفسهم، لأن هذا يعني استقطاع جزء كبير من أموال دافعي الضرائب المخصصة للتعليم والصحة وتوجيهها إلى المجهود العسكري. كما أن الأوروبيين والأمريكيين مترفين، ويعارضون بشدة، من خلال برلماناتهم ومواقع التواصل الاجتماعي، أي استقطاع كهذا. فقد تعودوا حياة الرفاهية بعد أن سبحوا في أعوام الرخاء والاستجمام بعيدًا عن جدب الحروب.

ازمة هوية العدو تتفوق

تتفاقم مشكلة الأموال مع حرب التعريفات والجمارك التي يشنها ترامب على أوروبا، بيد أن الإنفاق ليس المشكلة الوحيدة التي تواجه الحزب، فالناتو يواجه أزمة هوية في تحديد العدو من الصديق؛ فعلى عكس وقت التأسيس، العدو الآن ليس واضحًا، وقد لا يجد إجماعًا بالضرورة لدى كل الأعضاء. وقد يتطور هذا إلى انسحاب بعض الأعضاء من المعارك التي يخوضها لأعضاء آخرون إذا لم يوافقوا عليه. ليس ضروريًا أن تكون تلك المعارك عسكرية، بل دبلوماسية أو حربًا كلامية، لكنه كاف لإضعاف نفوذ الحلف وفقدان بوصلته وتحديد هويته.


على سبيل المثال، تحتاج ألمانيا إلى توازن العلاقات مع روسيا لأنها تعتمد عليها في مصدر الغاز والطاقة، كما أن إدارة ترامب تتقارب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لكن فرنسا أو إسبانيا أو غيرهما ليسوا كذلك؛ أي أن روسيا عدو لكن بدرجات لدى أعضاء الحلف، وهذا عكس ظروف إنشاء الحلف. كما أن الحرب التجارية الأخيرة بين الولايات المتحدة والصين والانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران لاقى معارضة شديدة من أوروبا. فإذا ما وقعت مواجهة عسكرية، قد لا يتفق حلفاء الناتو على المواجهة لتلك الأسباب أو لغيرها، وهذا يطعن في الميثاق التأسيسي للحلف الذي ينص على أن الهجوم على أي دولة يعد هجومًا على جميع الدول الأعضاء، ما يعني بداية النهاية للحلف.






تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة