ابو الغيط: النظام العالمى يتغير ولا يستطيع أحد التنبؤ لما هو قادم
فى كلمته بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتي
اكد احمد ابو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية فى كلمته بمركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية انه يعد واحد من بيوت الفكر المعدودة في العالم العربي التي نجحت في صناعة
اسم معتبر في مجال الدراسات الاستراتيجية مشيرا الى انه مجال تشتد الحاجة إليه في عالمنا العربي في هذه اللحظة بالذات من تطور النظام العالمي وتسارع المتغيرات على الصعيد الإقليمي .. حيث تتباين القراءات لما هو قادم .. وتتناقض التقديرات لما يمكن فعله حيال هذا القادم المجهول.
وقال ما أقدمه اليوم لا يعدو أن يكون قراءة ذاتية للتطورات العالمية والإقليمية تستند إلى عمرٍ قضيتُه في متابعة الشئون الدولية، تأملاً وممارسة وانخراطاً في أروقتها .. والدرس الأهم الذي خرجتُ به هو أن التنبؤ بالتوجهات والاتجاهات العالمية هو أمرٌ تكتنفه صعوبة شديدة.. من كان يتوقع أن تنتهي صراعات النصف الأول من القرن العشرين بخسارة وانزواء كافة القوى الأوروبية الأساسية .. وبزوغ نجم عملاقين قادمين من الخلف؟ من كان يتوقع هذا الانفجار التكنولوجي في عالمنا وتأثيراته المختلفة على المجتمع والاقتصاد والسياسة؟ من كان يتصور منذ أربعين عاماً .. أن تتحول الصين الفقيرة إلى القطب الثاني –أو الأول في بعض الحسابات الاقتصادية- في الاقتصاد الدولي؟ بل من كان يتصور في التسعينات أن تنهض روسيا من كبوتها العميقة على النحو الذي نشهده اليوم؟
ظني أنه ليس في وسعنا، سوى أن نرصد ونناقش ونطرح أفكاراً وسيناريوهات للمستقبل.. دون أن نقطع باتجاه بعينه أو نكون على يقين من أن الأمور سوف تجري في مسار محدد.
واضاف ان الحقيقة وهى السمة الأهم في عالم اليوم هي ذلك "اللايقين" وتلك السيولة التي تطبع التفاعلات والتغيرات .. في عالم الحرب الباردة كانت هناك ثوابت يُمكن الاستناد إليها لتوقع سلوك اللاعبين بدرجة معقولة من اليقين.. وحتى في العقود الثلاثة التالية على الحرب البادرة كانت الأحادية القطبية التي تقودها الولايات المتحدة تُعطينا بوصلة معقولة .. أما اليوم فقد تعدد اللاعبون وتنوعت القضايا وتسارعت المتغيرات وتدافعت الأفكار الجديدة إلى حد يصيب أي صانع قرار بالحيرة الشديدة لأن مساحة المجهول بشأن المستقبل أكبر كثيراً من مساحة المعلوم.. وهو أمرٌ نرصد تبعاته بوضوح حتى لدى القوى الكبرى.
وهناك في رأيي عاملان جوهريان وراء هذه الحالة من السيولة واللايقين على المستوى العالمي مشيرا الى ان لعامل الأول يتعلق بتركيبة النظام الدولي .. ولا يخفى أن النظام العالمي يمر بمرحلة خطيرة من إعادة التشكيل، أو ربما نقول أنه يقف في مفترق طرق ... لا نعرف إن كان العالم سوف يذهب إلى نظام متعدد الأقطاب .. أم يدخل في مرحلة جديدة من الحرب الباردة والتنافس بين قطبين (الولايات المتحدة والصين).. أم يتحرك نحو مرحلة من الفوضى الشاملة؟ كل من هذه الاحتمالات وارد، وهناك من الخبراء والسياسيين من يُرجح كل واحدٍ منها... ما نعرفه ونرصده بقدر معقول من اليقين هو أن لحظة الأحادية الأمريكية التي عاشها العالم منذ الحرب الباردة قد شارفت على نهايتها.. ومرجع ذلك في تقديري هو تغيرات عميقة داخل الولايات المتحدة نفسها تدفعها تدريجياً إلى التخلي عن قيادة النظام العالمى
وأوضح ان أهم هذه التغيرات يتعلق بأن المجتمع الأمريكي صار في أغلبه- مقتنعاً بأن العائد من وراء القيادة الأمريكية لا يُبرر التكلفة الكبيرة التي تحملتها الولايات المتحدة .. وقد بدأت هذه النزعة الانسحابية من القيادة العالمية في عهد أوباما .. ولكن ربما عبر عنها "ترامب" بصورة أكبر بسبب أسلوبه المباشر الذي يُلامس الفجاجة أحياناً.
مشيرا الى ان تاريخ لحظات التغير في قمة النظام العالمي هي الأخطر والأكثر عرضة للانزلاق نحو الصراع.. السبب أن هناك دوماً قوى صاعدة تريد مواصلة صعودها.. وقوى مستقرة على القمة تريد أن تمنع أو على الأقل تبطئ من عملية إزاحتها عن القمة .. وهذه الديناميكية تُشكل بيئة مثالية لاندلاع الصراعات..
وقال نرى اليوم بوادر هذا الاتجاه في العلاقات الصينية- الأمريكية.. ونراه أيضاً في الدور الجديد الذي ترسمه روسيا لنفسها.
ولا شك أن هذه المتغيرات غير المحسومة في قمة النظام الدولي تضع منطقتنا العربية في موقف صعب .. إذ تجد نفسها محل تنافس دولي سوف تتصاعد حدته في المستقبل .. وهو ما نلمس مظاهره اليوم بوضوح . الذكي.