رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب
بوابة الجمهورية

في العلوم السياسية والعسكرية، تُقاس النجاحات ليس بحجم الدمار الذي تُلحقه بالخصم، بل بالقدرة على ترجمة تلك الضربات إلى واقع سياسي آمن وقابل للاستقرار. 


وقد تأتي الحروب أحياناً بأسئلة لم تحسب لها الدول العظمى حساباً، فتتحول الانتصارات الميدانية والتكتيكية إلى مآزق استراتيجية خانقة. فالإطاحة بالرموز وتدمير البنى التحتية، رغم كلفتهما العالية على الخصم، قد ينتهيان بقطع خيوط التفاوض وتدمير القنوات الممكنة لإيقاف النزاع. وهذا بالضبط ما واجهته الإدارة الأمريكية بعد أن طالت ضرباتها قمة الهرم القيادي في إيران، لتبدأ في اكتشاف حدود القوة وأوهام الحسم الخاطف. 


لقد اندفعت واشنطن نحو إحداث فراغ قيادي شامل داخل طهران ظناً منها أن ذلك سيضعف الخصم ويجبره على الاستسلام، ليتبين أن غياب الطرف المقابل القادر على اتخاذ القرار والالتزام به هو الأزمة الأكبر.
وفي لحظة صراحة نادرة تعكس حجم الضبابية التي تخيم على البيت الأبيض، لم يكن تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير بأن الولايات المتحدة ربما "تجاوزت الحدود" في قتل القادة الإيرانيين مما عقد المحادثات الجارية لإنهاء الحرب، مجرد تصريح عابر؛ بل كان تعرية صريحة لحقيقة المعركة، واعترافاً علنياً وضمنياً بأن واشنطن خاضت النزاع دون رؤية محددة لطبيعته وكيفية إنهائه سياسياً.
هذا الطرح يثير زاوية هامة ومثيرة للجدل في القراءة الاستراتيجية للسلوك الأمريكي تجاه الأزمات المعقدة، وفي مقدمتها غياب الهندسة السياسية لليوم التالي. 


فقد قام الرهان الأساسي على أن توجيه ضربات صادمة لقمة الهرم القيادي دينياً وسياسياً وعسكرياً — بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى السابق علي خامنئي — كفيل بإحداث صدمة وفراغ يدفعان الشارع للإطاحة بالسلطة. 


غير أن الواقع أثبت قصر نظر هذه الحسابات التي اعتمدت على أوهام القوة؛ إذ تحول الاستهداف العنيف إلى عامل استنهاض حوّل ما أرادته واشنطن انقلاباً شعبياً إلى حالة التفاف وطني حول ما تبقى من الدولة.
لقد كشفت تطورات الحرب عن فجوة عميقة بين أثر الضربات العسكرية والنتائج السياسية المرجوة منها.

فرغم أن أشهر القصف الأمريكي والإسرائيلي ألحقت ضرراً فادحاً بالبنية التحتية والصناعات الاستراتيجية لإيران ورفعت معدلات الفقر والبطالة، ورغم تحقيق العديد من النجاحات التكتيكية الميدانية، إلا أن الفشل الاستراتيجي كان حليف واشنطن؛
فنظام الجمهورية الإسلامية لم ينهر، بل أصبح أكثر جرأة وتماسكاً حول طموحاته الأساسية المتمثلة في إخراج القوات الأمريكية من الخليج، وإجبارها على رفع العقوبات، والاعتراف بإيران كقوة إقليمية كبرى. هذا العجز عن قراءة التاريخ والمجتمع الإيراني قاد الإدارة الأمريكية إلى مأزق أعمق من الحرب ذاتها، وهو مأزق الخروج منها.


يبدو أن العديد من المسؤولين الأمريكيين يعتقدون أن الضغط الاقتصادي الشديد سيؤدي في النهاية إلى خروج الشعب الإيراني في محاولة للإطاحة بحكومتهم، أو أن الجمهورية الإسلامية، خوفا على بقائها، ستخضع للمطالب الأمريكية. لكنهم يتجاهلون أن إيران قضت الخمسة عشر عاما الماضية في تطوير اقتصاد مصمم خصيصا لتحمل الحروب الاقتصادية الأمريكية. على سبيل المثال، أقامت الحكومات المتعاقبة شبكة علاقات قوية مع دول الجوار لكي تصبح شبه مكتفية ذاتيا فيما يتعلق بالغذاء. 


هذا لا يعني أن الإيرانيين يشعرون بالتفاؤل تجاه بلادهم. هم قلقون بشأن المستقبل، ويتوقون للعودة إلى الهدوء والراحة الاقتصادية. لكنهم لا يرون الحرب الأمريكية الإسرائيلية هي الطريق الأفضل لتحقيق ذلك. 
والمعتدلون في إيران أمثال الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، والرئيس السابق حسن روحاني، ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، يرون بأن طهران يجب أن تستمر في البحث عن حل دبلوماسي للنزاع.


فمع غياب القيادات التاريخية والتنفيذية، أحدثت الضربات الخاطفة خللاً هيكلياً في شبكات صنع القرار في طهران، لتجد واشنطن نفسها أمام فراغ سياسي كامل وجدار مسدود؛ إذ إن الضربات التي تضعف قدرة الخصم عسكرياً تضعف أيضاً قدرته على التفاوض وإنفاذ أي تسوية. 
واليوم، يواجه المسؤولون الجدد في طهران معضلة مزدوجة بين التعامل مع الضغوط الميدانية من جهة، ومخاطر اتهامهم بالتفريط والخيانة من الداخل حال تقديمهم تنازلات من جهة أخرى. 


كما أن فقدان التسلسل القيادي الموحد يزيد من مخاطر تصرف أجنحة عسكرية بشكل منفرد، ويُسقط قنوات التواصل والثقة التقليدية التي بنيت عبر عقود مع الوسطاء الإقليميين كعُمان وقطر وسويسرا.
في ظل هذه الضبابية، تبدو خيارات واشنطن محدودة للغاية؛ فهي تقع في سباق مع الزمن يحرمها من انتظار استقرار المشهد السياسي الداخلي لإيران، مما يضطرها للتخلي عن فكرة "التسوية الشاملة" والاعتماد المكثف على الوسطاء لجس نبض القيادات الجديدة للوصول إلى "صفقات مجزأة" وتفاهمات مرحلية محدودة كفتح الممرات البحرية أو التهدئة الميدانية. 


لقد أثبتت التجربة أن إضعاف الخصم عسكرياً لا يعني امتلاك القدرة على فرض السلام، لتجد واشنطن نفسها في ورطة سياسية وأخلاقية يُصبح فيها السؤال الأساسي ليس كيف تكسر خصمك، بل كيف تنهي حرباً أضعفت فيها الطرف الآخر حتى لم تعد تعرف مع من تتفاوض لإيقافها.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة