معا للمستقبل
الاختبار الحقيقي للنواب!
مع انطلاق دور الانعقاد الجديد لمجلس النواب يثور سؤال يشغل الناس: ماذا قدم كل نائب لأهل دائرته؟!
فلا يكفي أن تتجدد جلسات البرلمان؛ بل ينبغي أن تتجدد معها الثقة، من خلال عمل تشريعي ورقابي جاد، وتواصل حقيقي مع الناس، وكشف حساب يجيب عن سؤال بسيط ومشروع: هل حقق النواب آمال الناخبين تحت القبة في الرقابة والتشريع ؟
ليست أزمة المواطن أنه لا يجد من يتحدث باسمه، بل أن يجد من يتحدث باسمه ولا يرى أثرًا حقيقيًا لما يقول. فبين وعود الانتخابات وواقع الحياة اليومية، تتشكل مساحة من التساؤلات المشروعة حول جدوى التمثيل البرلماني، وحدود مسؤولية النائب، وما إذا كان صوته تحت القبة يصل بالفعل إلى المواطن في بيته وعمله ومعيشته.
فالمواطن لا يريد نائبًا يكتفي بالحضور تحت القبة، وإنما ممثلًا يشعر الناس بأن أصواتهم لم تنتهِ بإعلان نتائج الانتخابات. يريد من يسمع شكواه ويتابعها، ويحوّل المشكلات العامة إلى قضايا تشريعية ورقابية. فالنائب ليس موظف خدمات، ولا مطلوبًا منه حل كل مشكلة فردية، لكنه مسؤول عن استخدام الأدوات التي منحه إياها الدستور والقانون للدفاع عن مصالح المواطنين.
وهنا تبدأ مساحة النقد الضرورية لأداء بعض النواب. فما جدوى المقعد البرلماني إذا لم تُستخدم أدواته؟ ماذا فعل النائب خلال الفترة الماضية؟ كم طلب إحاطة تقدم به؟ وكم سؤالًا وجه إلى الحكومة؟ وما النتائج التي ترتبت على تحركاته؟ وهل يستطيع أن يقدم لأبناء دائرته كشف حساب واضحًا عما أنجزه؟
بل إن بعض المواطنين يشكون من صعوبة التواصل مع نوابهم، أو غيابهم بعد انتهاء الانتخابات. فكيف ينقل النائب صوت الناس إذا لم يستمع إليهم؟ المطلوب ليس هاتفًا مفتوحًا على مدار الساعة، وإنما قنوات تواصل واضحة وآليات جادة لتلقي الشكاوى ومتابعتها.
ويأمل المواطن أن ينشغل البرلمان بقضاياه الأساسية: تحسين التعليم والصحة، وحماية محدودي الدخل، ودعم الصناعة والزراعة والاستثمار، ومواجهة البيروقراطية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومراجعة التشريعات التي تحتاج إلى تطوير. كما ينتظر رقابة جادة على أداء الحكومة؛ فالرقابة ليست خصومة، والمساندة ليست تصفيقًا، وإنما تكامل بين مؤسسات الدولة لتصحيح الأخطاء وتحسين الأداء.
وفي ظل التحديات الاقتصادية والإقليمية والدولية، تبرز مسؤولية أخرى، هي بناء وعي المواطن بحقيقة ما يجري، بعيدًا عن الشائعات والتهويل والتهوين. فالنائب يستطيع أن يشرح التحديات، وينقل معاناة الناس إلى الحكومة، ويواجه المعلومات المضللة بالحقائق، دون أن يتجاهل المشكلات أو يقلل من آثارها. فالنقد البناء ضرورة، والثقة لا تُفرض على المواطنين، بل تُبنى بالشفافية والإنجاز.
وفي هذا السياق، يقول الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا» (النساء: 58)، وهي قاعدة جامعة تذكّر بأن تمثيل الناس أمانة ومسؤولية، لا امتيازًا شخصيًا أو وجاهة اجتماعية. ويقول سبحانه: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ» (التوبة: 105)، بما يحمله المعنى من تأكيد أن قيمة المسؤول تُقاس بعمله وأثره، لا بأقواله ووعوده.
ومن هنا، فإن دور الانعقاد الجديد ينبغي أن يبدأ بمراجعة جادة لما تحقق، وتقديم كشف حساب للرأي العام يتضمن القضايا التي تبناها النواب، والتشريعات التي أسهموا في تطويرها، وطلبات الإحاطة والأسئلة التي تقدموا بها، والنتائج التي ترتبت عليها، والملفات التي تعهدوا بمتابعتها.
إن كشف الحساب ليس إدانة لأحد، بل احترام للناخب، ووسيلة لتعزيز الثقة بين المواطن وممثليه. فالمواطن لا يريد نائبًا يعارض لمجرد المعارضة، ولا آخر يؤيد دون مناقشة، وإنما يريد من يوازن بين المصلحة الوطنية وحقوق الناس، ويجعل التشريع والرقابة والعمل الجاد أساس أدائه.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه به كل نائب نفسه قبل أن يواجهه المواطنون: ماذا قدمت، وماذا ستقدم؟ وهل أصبح صوت الناس مسموعًا تحت القبة، أم ما زال حبيس الشكاوى والوعود؟ ذلك هو الاختبار الحقيقي لدور الانعقاد الجديد، ومعيار جدية العلاقة بين البرلمان والمواطن.
يا نواب مصر.. الناس في انتظار ما ستقدمونه هذه الدورة. مارسوا صلاحياتكم في الرقابة والتشريع. حتي لا يوجعكم ضميركم بعد فوات الأوان.