رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لحظة تمرد:

ضم «الصحفيين الإلكترونيين».. معركة الموارد وتصدير الأزمات!!

بوابة الجمهورية

أتابع  الضجيج المثار حول طلبات  إنضمام الصحفيين العاملين في المواقع الإلكترونية إلى جدول نقابة الصحفيين، للأسف تسود حالة من التسطيح العمدي لجوهر الأزمة بالترويج  وكأنه صراع أجيال أو استعلاء طبقي من صحافة «الورق» المحتضرة ضد «الديجيتال» المتدفق!!، أو كأنه مجرد موقف متزمت ضد تغيير أو اضافة ل «وسيط» النشر.. هذا الطرح يتجاهل عمداً حقيقة حاسمة بأن المشكلة لم تكن يوماً في الوسيط، ورقياً كان أم إلكترونياً، بل في الهيكل المنظّم للعمل الصحفي والالتزامات الاقتصادية والمهنية  التي بُنيت عليها الفكرة النقابية للورقي وللإكتروني.
إن قراءة المشهد بلا رتوش تكشف أن ما يحدث اليوم لا يتعدى كونه محاولة لتصدير أزمات الفشل الإداري والتمويلي لبعض الكيانات الهشة إلى كاهل نقابة الصحفيين، واستغلال أحلام شباب في حماية نقابية أو «بدل تكنولوجيا»، من دون تقديم أدنى مقومات التأسيس المؤسسي أو الأمان الوظيفي من الجهات التي يعملون فيها .
• في البداية يكون السؤال لماذا السعي للانضمام الي النقابة ؟ 
يهدف الإنضمام إلى النقابة المهنية أو العمالية إلى توفير الدعم والمساعدة القانونية للأعضاء في حالة مواجهة أي نزاعات عمل أو مشكلات  متعلقة بممارسة المهنة وتحسين ظروف العمل بالتفاوض مع أصحاب العمل أو الجهات الحكومية لتحسين الأجور، وتوفير بيئة عمل آمنة وصحية..وترسيخ مكانة المهنة والتعبير عن مصالح المشتغلين بها و تقديم الرعاية الاجتماعية والخدمات الصحية والمعاشات... الخ
• والسؤال وهل تقدم النقابة لاعضاءها هذه الخدمات بشكل كاف  ؟!
 البطالة النقابية: إغلاق الصحف وتصدير الهشاشة
تقف نقابة الصحفيين اليوم أمام استحقاق أخلاقي ونقابي شديد التعقيد والصعوبة؛ فهي مطالبة — قبل فتح أبوابها لأعضاء جدد — بإيجاد فرص عمل وحلول جذريّة لقطاع واسع ومهم من أعضائها المقيدين بالفعل بجدول المشتغلين ، هؤلاء الذين شُرّدوا بعد إغلاق عشرات الصحف، حزبيةً كانت أم مستقلة، وتُركوا بلا أجور ولا غطاء اجتماعي يحميهم أو يحمي أسرهم.
والسؤال ذا كانت النقابة تخوض اليوم معارك يومية لتوفير مظلة حماية اجتماعية وفرص عمل للمقيدين في جداولها، فكيف يُطلب منها تحمل عبء إضافي هائل بضم آلاف العاملين في مواقع إلكترونية نشأت اليوم وقد تغلق أبوابها أخر اليوم ً؟
صمت أصحاب الكيانات
والمسألة في البداية ليست فى الوسيط ، ورقي أو اليكتروني ..بدليل اننا عانينا من جرائد "بئر السلم"  او التي اقيمت لاغراض غير الصحافة .. الخ ...
وبدليل ان الكثير من  أعضاء التقابة يعملون وينشرون الان  في مواقع اليكترونية ،  قومية او مستقلة أو حزبية، اذن المشكلة ليست في الوسيط لكن في الاساس التمويلي والهيكلى المستقر .
إن معظم المواقع الإلكترونية التي تطالب اليوم بنيل الشرعية النقابية لمنتسبيها هي كيانات افتراضية ، إفتقارها للإستقرار أسرع من وجودها؛ كيانات تغلق بمجرد تعثر تمويلها أو نفاد شغف صاحبها .. وضم العاملين بها  يعني بوضوح شديد :  تصدير أزمات إدارية وهياكل ميتة إلى الكيان النقابي ليتحمل هو فاتورة التعويضات، وأعانات البطالة، وتوفير المعاشات والمظلة العلاجية، عندما يقرر مالك الموقع إغلاقه بخفّة ورعونة.

العجز عن الحد الأدنى والتغطية التأمينية: 
ويتشدق بعض أصحاب هذه الكيانات والمسؤولين عن أدواتها التنفيذية بالحقوق النقابية والتنظيم المهني،ولا يقتربون من الأسئلة المسكوت عنها و تظل تلاحقهم وتكشف زيف الادعاءات ومنها :
• هل تلتزم هذه المواقع بمنح الصحفيين، وكافة الفنيين والوظائف المساعدة، الحد الأدنى للأجور الذي أقرته الدولة وقوانين العمل؟ أم أنها تعتمد على نظام السخرة و«المكافآت المقطوعة» التي لا تسد رمقاً؟
• هل تم التعيين بعقود رسمية وتغطية تأمينية كاملة وصحيحة في الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، بحيث يمتلك الصحفي بها  ملفاً تأمينياً حقيقياً يثبت استقراره الوظيفي ويشكل سنداً قانونياً لدخول النقابة؟
كيف تتحدث مواقع كبرى — بل وحتى منصات إلكترونية تابعة لصحف وأخرى مستقلة عن حقوق النقابة، وهي تعجز في أحيان كثيرة عن إعطاء أبنائها مرتبات تليق بالجهد المبذول، بل ويتحسر بعض قياداتها ممن تولوا إدارة تحريرها سابقاً على أزمات خنق الأجور لديهم؟
التفاوض بشق الأنفس
وإذا كانت المؤسسات الصحفية القومية الكبرى بخبراتها وعقاراتها والمليارات التي تقف خلفها قد أوقفت التعيينات الجديدة منذ أكثر من عشر سنوات كاملة بضغط من أزماتها الاقتصادية الخانقة، فكيف يُنتظر من كيانات ومواقع إلكترونية صغيرة ، لا تملك أصولاً ولا ميزانيات معلنة، أن تُعامل ككيانات صحفية مستقرة؟ إن الواقع المؤلم يؤكد أن جزءاً غير قليل من هذه Sites يُدار بأجندات ممولة من رجال أعمال أو أطراف تبحث عن النفوذ والمصالح الخاصة، حيث تُستخدم الصحافة كـ «وسيلة ضغط أو تلميع» للتربح والمكاسب، لا كرسالة مهنية سامية.
الموارد النقابية والمعاشات: 
إن النقابة ليست جمعية خيرية تتلقى الهبات، بل هي كيان مهني يعتمد على التوازن الدقيق بين الموارد والمصروفات.. وتخوض مجالس النقابات المتعاقبة بشق الأنفس مفاوضات مضنية لتنمية صندوق العلاج وصرف معاشات الصحفيين والأرامل والأيتام، وتوفير حد أدنى من الخدمات الاجتماعية.
وتقف معضلة التمويل هنا صارخة بلا مواربة: من أين ستدبر النقابة المبالغ المادية الضخمة اللازمة لتغطية العلاج والمعاشات والخدمات إذا تضاعفت أعداد أعضائها ثلاث أو أربع مرات دون أن تقدم هذه الكيانات الإلكترونية أية موارد أو رسوم أو نسب إعلانية حقيقية تغذي صندوق النقابة؟
ويرتبط بهذا الملف أيضاً تفكيك لغز «بدل التكنولوجيا والتصحيح»؛ إذ يتصوره البعض غنيمة باردة، بينما يمثل حقيقةً معركة تفاوضية شرسة مع الحكومة حيث  :
* القدرة التفاوضية  لزيادة البدل ترتبط مستقيماً بعدد محدد ومحكوم من المستحقين؛ فإذا تضخمت أعداد الأعضاء بصورة عشوائية وغير مدروسة، ستتآكل القدرة التفاوضية للنقابة، وستتراجع نسبة الزيادة المقترحة للجميع.
* في أوقات ازدهار الصحافة وتعدد منافذ العمل، كان "البدل " مجرد عنصر ثانوي يساعد الصحفي في استكمال وتنمية قدراته ،  أما اليوم، وبعد انكماش السوق وإغلاق المؤسسات، تحول "البدل " إلى الدخل الأساسي بل و يمثل عصب الدخل والملاذ الأخير لآلاف العائلات الصحفية .. وتخفيضه أو تجميده نتيجة تضخم الأعداد المقيدة يعني تدميراً مباشراً للاستقرار الاقتصادي للجماعة الصحفية.
الحماية المهنية .. النقابة حصن الجميع
و أحد أكثر الحجج تسويقاً للمطالبة بضم صحفيي المواقع هو الحاجة إلى «الحماية المهنية» والنقابية عند التوقيف أو التعرض لملاحقات قضائية في قضايا النشر والتعبير.
والرد على ذلك يأتيك صريحاً من تاريخ النقابة الناصع.. نقابة الصحفيين لم ولن تتأخر يوماً عن الدفاع عن أي صاحب رأي، سواء كان مقيداً بجدولها أم لم يكن. إن مبنى النقابة ب شارع عبد الخالق ثروت كان ولا يزال قلعة لكل الآراء، ولم يسبق لمجلس نقابة أن يتنصل من مساندة صحفي أو كاتب أو مدون يواجه أزمة حرية رأي لمجرد أنه لا يحمل «كارنيه» النقابة.. الحماية المهنية والإنسانية توفرها النقابة بحكم دورها الوطني والرسالي، لا بحكم خانة الجدول.
ومن جانب آخر، فإن العمل الإلكتروني المعتمد على الصور والفيديوهات والوسائط المتعددة (Multimedia) يتقاطع بصورة مباشرة وشبه كاملة مع طبيعة عمل نقابة الإعلاميين.. وهنا يطرح السؤال نفسه بحدة: هل تعجز نقابة الإعلاميين عن القيام بدورها المفترض في حماية أبنائها والعاملين في الوسائط الإلكترونية والإعلام الرقمي، حتى يُطلب من نقابة الصحفيين وحدها تحمل كافة الأزمات والهياكل المتردية؟
الاستقلال وضغوط الكيانات الموازية
إن المسألة ليست صراعاً بين جيلين ولا تصديراً عابراً للأزمات، بل هي قضية وطن يحتاج صحافة حرة، ومستقلة، وقوية، وقادرة على البقاء. والصحفيون — سواء كانوا داخل النقابة أم خارجها — يستحقون بيئة عمل عادلة، ورعاية اجتماعية واقتصادية محترمة تحميهم من العوز.
أما تلك المعزوفة المكرورة التي يلجأ إليها البعض للتهديد بـ «إنشاء كيانات نقابية موازية» أو روابط مستقلة للضغط على نقابة الصحفيين، فهي محاولات يائسة ومكشوفة؛ إما لممارسة ابتزاز نقابي رخيص، أو للبحث عن أدوار وشهرة شخصية لبعض الأسماء التي فصلت وتعسفت مع من عمل معهم حين كانوا في مراكز السلطة  !!.
ولمن يتناسى التاريخ ، لقد مرت على النقابة أمواج عاتية ومحاولات مستميتة لشل إرادتها أو اختراق هياكلها — وكان أبرزها المحاولات الاستماتية في عهد صفوت الشريف لضم جميع العاملين بماسبيرو والقطاعات التابعة له إلى نقابة الصحفيين، لكن المحاولات تحطمت وتهاوت أمام صخرة الثوابت النقابية ورسوخ الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين.
الحل لا يكمن في إغراق النقابة بالأزمات وتفكيك حمايتها الاقتصادية والمهنية، بل يكمن في إجبار أصحاب المواقع الإلكترونية على تصحيح أوضاعهم القانونية والمالية أولاً، وتوفير عقود عمل حقيقية وتأمينات اجتماعية عادلة ورواتب كافية، جنباً إلى جنب مع مناخ حريات متسع يضمن حرية التعبير والتداول الحر للمعلومات، لتظل الصحافة رسالة عريقة وليست مجرد واجهة لرجال الأعمال ومنابر لتصدير الفشل.
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة