معركة مؤتة من عجائب الدهر
بعد أن استشهد جميع القادة الذين وضعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قاتلوا بكل شجاعة وببسالة منقطعة النظير حينئذٍ تقدم رجل من بني عَجْلان ـ اسمه ثابت بن أقرم ـ فأخذ الراية وقال: …يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية قاتل قتالاً مريراً، فقد روى البخاري عن خالد بن الوليد قال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية.وقد قال رسول الله ﷺ يوم مؤتة ـ مخبراً بالوحي، قبل أن يأتي إلى الناس الخبر من ساحة القتال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب ـ وعيناه تذرفان ـ حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم»وبالرغم من الشجاعة البالغة والبسالة والضراوة التي قاتل بها المسلمون، …فقد كان مستغرباً جداً أن ينجح هذا الجيش الصغير في الصمود أما تيارات ذلك البحر العرمرم من جيوش الروم.
وفي ذلك الوقت أظهر خالد بن الوليد مهارته ونبوغه في تخليص المسلمين مما ورطوا أنفسهم فيه فقد نجح خالد بن الوليد في الصمود أمام جيش الرومان طول النهار، في أول يوم من القتال وكان يشعر بمسيس الحاجة إلى مكيدة حربية تلقي الرعب في قلوب الرومان حتى ينجح في الانحياز بالمسلمين من غير أن يقوم الرومان بمطاردتهم. فقد كـان يعرف جيداً أن الإفلات من براثنهم صعب جداً لو انكشف المسلمون، وقام الرومان بالمطاردة فلما أصبح اليوم الثاني غيّر أوضاع الجيش، وعبأه من جديد، فجعل مقدمته ساقه، وميمنته ميسرة، وعلى العكس، فلما رآهم الأعداء أنكروا حالهم، وقالوا: جاءهم مدد، فرعبوا، وصار خالد ـ بعد أن تراءى الجيشان، وتناوشا ساعة ـ يتأخر بالمسلمين قليلاً قليلاً، مع حفظ نظام جيشه، ولم يتبعهم الرومان ظناً منهم أن المسلمين يخدعونهم ويستدرجونهم، وأنهم يحاولون القيام بمكيدة ترمي بهم في الصحراء.
وهكذا انحاز العدو إلى بلاده، ولم يفكر في القيام بمطاردة المسلمين ونجح المسلمون في الانحياز سالمين، حتى عادوا إلى المدينة.
واستشهد يومئذ من المسلمين …اثنا عشر رجلاً، أما الرومان، فلم يعرف عدد قتلاهم على كثرتهم وهذه المعركة وإن لم ينتصر المسلمون فيها ولم يتمكنوا من الثأر، …
لكنها كانت كبيرة الأثر لسمعة المسلمين، إذ أنها ألقت الدهشة والحيرة للعرب قاطبة، فقد كانت الرومان أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض، وكان لقاء هذا الجيش الصغير ـ ثلاثة آلاف مقاتل ـ مع ذلك الجيش الضخم العرمرم الكبير ـ مائتا ألف مقاتل ـ ثم الرجوع عن الغزو من غير أن تلحق به خسارة تذكر، كان كل ذلك من عجائب الدهر، وكان يؤكد أن المسلمين من طراز آخر غير ما ألفته العرب وعرفته، وأنهم مؤيدون ومنصورون من عند الله، وأن صاحبهم رسول الله حقاً.
ولذلك فإن القبائل اللدودة التي كانت لا تزال تثور على المسلمين جنحت بعد هذه المعركة إلى الإسلام، فأسلمت بنو سُلَيْم وأشْجَع وغَطَفَان وذُبْيَان وفَزَارَة وغيرها وكانت هذه المعركة بداية اللقاء الدامي مع الرومان، و توطئة وتمهيداً لفتوح البلدان الرومانية، واحتلال المسلمين لتلك الأراضي البعيدة النائية .