رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

جولة الرئيس السيسي.. والأوضاع في القرن الإفريقي

بوابة الجمهورية

ترتبط زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الدول الآسيوية بمصالح مصر الاستراتيجية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، لكن العلاقة هنا استراتيجية وغير مباشرة بالضرورة؛ أي أن الزيارة قد تساعد مصر على تعزيز شراكاتها الدولية ومكانتها الإقليمية، بينما تتحرك القاهرة بالتوازي للتعامل مع التحديات الأمنية والسياسية في القرن الإفريقي.
ولفهم هذه العلاقة، يجب الربط بين ثلاثة محاور: أمن البحر الأحمر، والتنافس على النفوذ في القرن الإفريقي، ومصالح مصر في مياه النيل والتجارة الدولية.


يمثل القرن الإفريقي، خصوصًا الصومال وجيبوتي وإريتريا، منطقة مؤثرة في أمن الملاحة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس. وتوسيع العلاقات المصرية مع الدول الآسيوية قد يدعم التعاون في أمن التجارة وسلاسل الإمداد، وهي مصالح مشتركة مع الدول المعتمدة على هذا الممر البحري.
تشهد المنطقة تنافسًا على الشراكات السياسية والموانئ والممرات البحرية والتعاون الأمني. ومن ثم، فإن تعميق علاقات مصر مع قوى آسيوية يمكن أن يوسع خياراتها الدبلوماسية والاقتصادية، لكن لا يوجد ما يكفي للجزم بأن الزيارة تستهدف مواجهة دولة بعينها في القرن الإفريقي.


يرتبط القرن الإفريقي جغرافيًا وسياسيًا بحوض النيل، ولا سيما ملف سد النهضة والعلاقات مع إثيوبيا والسودان. وقد تساعد الشراكات الدولية الأوسع مصر على تعزيز موقفها الدبلوماسي، في ملف المياه والقرن الإفريقي.
يتداخل ملف سد النهضة مع ملف البحر الأحمر في حسابات الأمن الإقليمي المصري، رغم أنهما قضيتان مختلفتان قانونيًا وجغرافيًا.


يتركز الخلاف المصري الإثيوبي حول قواعد ملء سد النهضة وتشغيله، وضمان عدم إحداث ضرر ذي شأن بدولتي المصب، مصر والسودان، ووجود ترتيبات تعاونية واضحة للتعامل مع فترات الجفاف والظروف الاستثنائية.
وترى القاهرة أن إدارة النهر العابر للحدود ينبغي أن تقوم على التعاون وعدم الإضرار، بينما تؤكد إثيوبيا حقها في استغلال مواردها المائية للتنمية. ويظل التوصل إلى ترتيبات مقبولة للطرفين جوهر النزاع.
إثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري المباشر بعد استقلال إريتريا عام 1993، وتعتمد بدرجة كبيرة على موانئ دول الجوار، ولا سيما ميناء جيبوتي، ما زالت تسعى للحصول على موطئ قدم لها على البحر الأحمر.
في هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى جولة السيسي بمعزل عن التحركات المصرية في القرن الإفريقي. لكن الأهم هو التمييز بين ما تؤكده الوقائع، وما يمكن استنتاجه استراتيجيًا.


هناك تطور مهم يوضح هذه الصلة، وفي هذا السياق، رفضت القمة المصرية السودانية الإريترية الصومالية التي عقدت مطلع هذا الشهر في العلمين أي إجراءات تستهدف وحدة الأراضي الصومالية، وأكدت أن حوكمة البحر الأحمر من اختصاص الدول المشاطئة. ويعكس ذلك تقاطعًا واضحًا بين مسألة السيادة على الموانئ وموقف مصر من الترتيبات الأمنية في البحر الأحمر.
وبعد يومين، بدأت جولة السيسي الآسيوية. هذا التقارب الزمني يجعل قراءة المسارين معًا منطقية، لكنه لا يثبت وحده أن الجولة الآسيوية خُصصت لمواجهة إثيوبيا.
يمكن قراءة هذه التحركات من خلال ثلاثة أهداف محتملة، أولها، توسيع علاقات مصر مع قوى اقتصادية آسيوية بما يقلل الاعتماد على عدد محدود من الشركاء. 

الثاني، تعزيز التعاون مع دول ترتبط مصالحها بالمحيط الهندي وطرق التجارة المؤدية إلى البحر الأحمر وقناة السويس. 

الثالث، تدعيم مكانة مصر الدولية بالتوازي مع تحركاتها المباشرة في إفريقيا.


هذه الاستنتاجات الاستراتيجية هي جزء من طبيعة المصالح الجغرافية والاقتصادية، وليست دليلًا على وجود اتفاق معلن بين مصر والدول التي زارها السيسي بشأن القرن الإفريقي.
أثناء جولة الرئيس، أعلنت القاهرة وسول رفع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، مع توسيع التعاون في الصناعات الدفاعية وبناء السفن والطاقة والبنية التحتية. وقد يعزز ذلك القدرات الصناعية المصرية، وإن لم يكن دليلًا على اتفاق كوري مصري لمواجهة إثيوبيا.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن تسهم الشراكات الماليزية في تنويع التجارة والاستثمارات المصرية وتعزيز الروابط مع جنوب شرق آسيا. أما تحويل هذه العلاقات إلى دعم سياسي صريح في ملف سد النهضة أو الموانئ، فيحتاج إلى اتفاقات أو تصريحات موثقة.
لكن العلاقة الأساسية هي أن مصر تتحرك على مسارين متكاملين: توسيع شراكاتها الدولية في آسيا، وتعزيز حضورها الأمني والدبلوماسي في القرن الإفريقي. وقد يمنحها المسار الأول أدوات اقتصادية ودبلوماسية إضافية لخدمة مصالحها في المسار الثاني.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة