الخط المفتوح
الأرصفة.. حق المشاة الضائع
هناك ظواهر فى شوارع القاهرة أصبحت من فرط تكرارها تبدو وكأنها أمر طبيعي، رغم أنها فى الحقيقة تمثل اعتداءً واضحًا على حق أصيل من حقوق المواطن.. ومن أكثر هذه الظواهر غرابة انتشار احتلال أصحاب بعض المحال للأرصفة، وتحويلها من مساحة مخصصة لسير المشاة إلى امتداد للمحل، أو مخزن للبضائع، أو مكان لعرض المنتجات، بينما يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى السير فى نهر الطريق، وسط السيارات، معرضًا حياته للخطر!
والسؤال هنا: هل أصبحت الأرصفة ملكًا لأصحاب المحال؟ ومن أعطاهم الحق فى الاستيلاء عليها؟ ومن المسؤول عن إعادة هذه المساحات إلى أصحابها الحقيقيين.. أى المواطنين؟
لقد أصبحت بعض الشوارع فى القاهرة أشبه بساحات مفتوحة للباعة وأصحاب المحال، كل صاحب محل يمد بضاعته إلى أقصى ما يستطيع، ويضع الثلاجات أو الستاندات أو الصناديق أمام محله، بل إن البعض يتعامل مع الرصيف وكأنه جزء من ملكيته الخاصة، دون أن يفكر للحظة فى كبار السن أو الأطفال أو ذوى الإعاقة أو الأمهات اللاتى يحملن أطفالهن.
والنتيجة أن المشاة يدفعون الثمن.. يمشون فى الشوارع، والسيارات تمر بجوارهم، وتتحول رحلة المواطن القصيرة إلى مغامرة يومية قد تنتهى بحادث مؤلم.
الأمر لا يتعلق فقط بالمظهر الحضارى للعاصمة، وإنما يتعلق بالسلامة العامة واحترام القانون وحق المواطن فى استخدام الطريق بصورة آمنة وكريمة.
وهنا أتوقف أمام الجهد الواضح الذى يبذله محافظ القاهرة فى إعادة الانضباط إلى شوارع العاصمة، خاصة ما تحقق فى التعامل مع الأكشاك الخشبية العشوائية التى كانت تنتشر فى بعض الشوارع والميادين، وتشوه الصورة الحضارية للقاهرة، حتى أصبحت هذه الأكشاك اليوم ـ فى كثير من المناطق ـ أكثر تنظيمًا وانضباطًا، وهو ما يؤكد أن الملفات الصعبة يمكن حلها عندما تتوافر الإرادة والمتابعة.
ولذلك أطرح على المحافظ النشط تحديًا جديدًا: هل يستطيع أن يجعل الأرصفة للمشاة كما جعل الأكشاك أكثر انضباطًا؟
أنا على يقين أن الملف ليس سهلًا، لأن هناك مصالح تشكلت على مدى سنوات، وأصحاب محال اعتادوا أن يعتبروا المساحة أمام محالهم حقًا مكتسبًا، لكن الصعوبة لا تعنى الاستسلام.
المطلوب حملة جادة ومنظمة، تبدأ بحصر الشوارع والمناطق الأكثر معاناة من احتلال الأرصفة، ثم منح المخالفين فرصة محددة لإزالة الإشغالات طواعية، وبعدها تطبيق القانون بحزم ودون استثناءات.
ولا ينبغى أن تكون الحملة موسمية، تظهر أيامًا ثم تختفي، وإنما نحتاج إلى متابعة مستمرة، لأن الرصيف الذى يتم إخلاؤه اليوم قد يعود محتلاً غدًا إذا غابت الرقابة.
كما يجب أن يكون هناك توازن بين تطبيق القانون ومراعاة أصحاب الأنشطة التجارية الملتزمة، بحيث لا يتضرر صاحب المحل الذى يحترم القواعد بسبب آخر يصر على تحويل الرصيف إلى ملكية خاصة.
القاهرة مدينة عريقة تستحق أن تكون شوارعها أكثر انضباطًا، والمواطن المصرى يستحق أن يسير على الرصيف دون أن يضطر إلى النزول إلى الطريق، ودون أن يشعر أنه ينافس السيارات على حقه فى المرور.
لقد نجح محافظ القاهرة فى فتح ملفات بدت لسنوات عصية على الحل، ونجح فى أن يثبت أن الإرادة والمتابعة يمكن أن تغيرا وجه الشارع.
ويبقى ملف الأرصفة.. فهل نرى قريبًا أرصفة القاهرة وقد عادت إلى أصحابها الحقيقيين؟
أصحاب المحال لهم حق العمل والرزق، لكن المواطن أيضًا له حق أصيل فى الطريق والرصيف.. والقانون يجب أن يحمى الحقين، دون أن يسمح لأحدهما بالاعتداء على الآخر.
إن إعادة الأرصفة إلى المشاة ليست مجرد حملة لإزالة إشغالات، وإنما هى رسالة مهمة عنوانها: القاهرة مدينة للناس.. وليست ملكًا لمن يضع يده على الرصيف أولاً.