رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الخط المفتوح

الأرصفة‭.. ‬حق‭ ‬المشاة‭ ‬الضائع

بوابة الجمهورية

هناك‭ ‬ظواهر‭ ‬فى‭ ‬شوارع‭ ‬القاهرة‭ ‬أصبحت‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬تكرارها‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬فى‭ ‬الحقيقة‭ ‬تمثل‭ ‬اعتداءً‭ ‬واضحًا‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬أصيل‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬المواطن‭.. ‬ومن‭ ‬أكثر‭ ‬هذه‭ ‬الظواهر‭ ‬غرابة‭ ‬انتشار‭ ‬احتلال‭ ‬أصحاب‭ ‬بعض‭ ‬المحال‭ ‬للأرصفة،‭ ‬وتحويلها‭ ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬مخصصة‭ ‬لسير‭ ‬المشاة‭ ‬إلى‭ ‬امتداد‭ ‬للمحل،‭ ‬أو‭ ‬مخزن‭ ‬للبضائع،‭ ‬أو‭ ‬مكان‭ ‬لعرض‭ ‬المنتجات،‭ ‬بينما‭ ‬يجد‭ ‬المواطن‭ ‬نفسه‭ ‬مضطرًا‭ ‬إلى‭ ‬السير‭ ‬فى‭ ‬نهر‭ ‬الطريق،‭ ‬وسط‭ ‬السيارات،‭ ‬معرضًا‭ ‬حياته‭ ‬للخطر‭!‬


والسؤال‭ ‬هنا‭: ‬هل‭ ‬أصبحت‭ ‬الأرصفة‭ ‬ملكًا‭ ‬لأصحاب‭ ‬المحال؟‭ ‬ومن‭ ‬أعطاهم‭ ‬الحق‭ ‬فى‭ ‬الاستيلاء‭ ‬عليها؟‭ ‬ومن‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬إعادة‭ ‬هذه‭ ‬المساحات‭ ‬إلى‭ ‬أصحابها‭ ‬الحقيقيين‭.. ‬أى‭ ‬المواطنين؟


لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬بعض‭ ‬الشوارع‭ ‬فى‭ ‬القاهرة‭ ‬أشبه‭ ‬بساحات‭ ‬مفتوحة‭ ‬للباعة‭ ‬وأصحاب‭ ‬المحال،‭ ‬كل‭ ‬صاحب‭ ‬محل‭ ‬يمد‭ ‬بضاعته‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬ما‭ ‬يستطيع،‭ ‬ويضع‭ ‬الثلاجات‭ ‬أو‭ ‬الستاندات‭ ‬أو‭ ‬الصناديق‭ ‬أمام‭ ‬محله،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬البعض‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الرصيف‭ ‬وكأنه‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ملكيته‭ ‬الخاصة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفكر‭ ‬للحظة‭ ‬فى‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬أو‭ ‬الأطفال‭ ‬أو‭ ‬ذوى‭ ‬الإعاقة‭ ‬أو‭ ‬الأمهات‭ ‬اللاتى‭ ‬يحملن‭ ‬أطفالهن‭.‬


والنتيجة‭ ‬أن‭ ‬المشاة‭ ‬يدفعون‭ ‬الثمن‭.. ‬يمشون‭ ‬فى‭ ‬الشوارع،‭ ‬والسيارات‭ ‬تمر‭ ‬بجوارهم،‭ ‬وتتحول‭ ‬رحلة‭ ‬المواطن‭ ‬القصيرة‭ ‬إلى‭ ‬مغامرة‭ ‬يومية‭ ‬قد‭ ‬تنتهى‭ ‬بحادث‭ ‬مؤلم‭.‬
الأمر‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بالمظهر‭ ‬الحضارى‭ ‬للعاصمة،‭ ‬وإنما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالسلامة‭ ‬العامة‭ ‬واحترام‭ ‬القانون‭ ‬وحق‭ ‬المواطن‭ ‬فى‭ ‬استخدام‭ ‬الطريق‭ ‬بصورة‭ ‬آمنة‭ ‬وكريمة‭.‬


وهنا‭ ‬أتوقف‭ ‬أمام‭ ‬الجهد‭ ‬الواضح‭ ‬الذى‭ ‬يبذله‭ ‬محافظ‭ ‬القاهرة‭ ‬فى‭ ‬إعادة‭ ‬الانضباط‭ ‬إلى‭ ‬شوارع‭ ‬العاصمة،‭ ‬خاصة‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬فى‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأكشاك‭ ‬الخشبية‭ ‬العشوائية‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬تنتشر‭ ‬فى‭ ‬بعض‭ ‬الشوارع‭ ‬والميادين،‭ ‬وتشوه‭ ‬الصورة‭ ‬الحضارية‭ ‬للقاهرة،‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬الأكشاك‭ ‬اليوم‭ ‬ـ‭ ‬فى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬ـ‭ ‬أكثر‭ ‬تنظيمًا‭ ‬وانضباطًا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الملفات‭ ‬الصعبة‭ ‬يمكن‭ ‬حلها‭ ‬عندما‭ ‬تتوافر‭ ‬الإرادة‭ ‬والمتابعة‭.‬


ولذلك‭ ‬أطرح‭ ‬على‭ ‬المحافظ‭ ‬النشط‭ ‬تحديًا‭ ‬جديدًا‭: ‬هل‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬الأرصفة‭ ‬للمشاة‭ ‬كما‭ ‬جعل‭ ‬الأكشاك‭ ‬أكثر‭ ‬انضباطًا؟
أنا‭ ‬على‭ ‬يقين‭ ‬أن‭ ‬الملف‭ ‬ليس‭ ‬سهلًا،‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬مصالح‭ ‬تشكلت‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات،‭ ‬وأصحاب‭ ‬محال‭ ‬اعتادوا‭ ‬أن‭ ‬يعتبروا‭ ‬المساحة‭ ‬أمام‭ ‬محالهم‭ ‬حقًا‭ ‬مكتسبًا،‭ ‬لكن‭ ‬الصعوبة‭ ‬لا‭ ‬تعنى‭ ‬الاستسلام‭.‬


المطلوب‭ ‬حملة‭ ‬جادة‭ ‬ومنظمة،‭ ‬تبدأ‭ ‬بحصر‭ ‬الشوارع‭ ‬والمناطق‭ ‬الأكثر‭ ‬معاناة‭ ‬من‭ ‬احتلال‭ ‬الأرصفة،‭ ‬ثم‭ ‬منح‭ ‬المخالفين‭ ‬فرصة‭ ‬محددة‭ ‬لإزالة‭ ‬الإشغالات‭ ‬طواعية،‭ ‬وبعدها‭ ‬تطبيق‭ ‬القانون‭ ‬بحزم‭ ‬ودون‭ ‬استثناءات‭.‬
ولا‭ ‬ينبغى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الحملة‭ ‬موسمية،‭ ‬تظهر‭ ‬أيامًا‭ ‬ثم‭ ‬تختفي،‭ ‬وإنما‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬متابعة‭ ‬مستمرة،‭ ‬لأن‭ ‬الرصيف‭ ‬الذى‭ ‬يتم‭ ‬إخلاؤه‭ ‬اليوم‭ ‬قد‭ ‬يعود‭ ‬محتلاً‭ ‬غدًا‭ ‬إذا‭ ‬غابت‭ ‬الرقابة‭.‬


كما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬تطبيق‭ ‬القانون‭ ‬ومراعاة‭ ‬أصحاب‭ ‬الأنشطة‭ ‬التجارية‭ ‬الملتزمة،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يتضرر‭ ‬صاحب‭ ‬المحل‭ ‬الذى‭ ‬يحترم‭ ‬القواعد‭ ‬بسبب‭ ‬آخر‭ ‬يصر‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الرصيف‭ ‬إلى‭ ‬ملكية‭ ‬خاصة‭.‬
القاهرة‭ ‬مدينة‭ ‬عريقة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شوارعها‭ ‬أكثر‭ ‬انضباطًا،‭ ‬والمواطن‭ ‬المصرى‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يسير‭ ‬على‭ ‬الرصيف‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يضطر‭ ‬إلى‭ ‬النزول‭ ‬إلى‭ ‬الطريق،‭ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬أنه‭ ‬ينافس‭ ‬السيارات‭ ‬على‭ ‬حقه‭ ‬فى‭ ‬المرور‭.‬
لقد‭ ‬نجح‭ ‬محافظ‭ ‬القاهرة‭ ‬فى‭ ‬فتح‭ ‬ملفات‭ ‬بدت‭ ‬لسنوات‭ ‬عصية‭ ‬على‭ ‬الحل،‭ ‬ونجح‭ ‬فى‭ ‬أن‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬الإرادة‭ ‬والمتابعة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تغيرا‭ ‬وجه‭ ‬الشارع‭.‬


ويبقى‭ ‬ملف‭ ‬الأرصفة‭.. ‬فهل‭ ‬نرى‭ ‬قريبًا‭ ‬أرصفة‭ ‬القاهرة‭ ‬وقد‭ ‬عادت‭ ‬إلى‭ ‬أصحابها‭ ‬الحقيقيين؟
أصحاب‭ ‬المحال‭ ‬لهم‭ ‬حق‭ ‬العمل‭ ‬والرزق،‭ ‬لكن‭ ‬المواطن‭ ‬أيضًا‭ ‬له‭ ‬حق‭ ‬أصيل‭ ‬فى‭ ‬الطريق‭ ‬والرصيف‭.. ‬والقانون‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يحمى‭ ‬الحقين،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يسمح‭ ‬لأحدهما‭ ‬بالاعتداء‭ ‬على‭ ‬الآخر‭.‬


إن‭ ‬إعادة‭ ‬الأرصفة‭ ‬إلى‭ ‬المشاة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حملة‭ ‬لإزالة‭ ‬إشغالات،‭ ‬وإنما‭ ‬هى‭ ‬رسالة‭ ‬مهمة‭ ‬عنوانها‭: ‬القاهرة‭ ‬مدينة‭ ‬للناس‭.. ‬وليست‭ ‬ملكًا‭ ‬لمن‭ ‬يضع‭ ‬يده‭ ‬على‭ ‬الرصيف‭ ‬أولاً‭.‬

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة