من الألف إلى الياء
فلسفة "الغرس" في زمن "العجلة" !!
كيف نتحرر من عقدة الظهور العاجل.. والنتائج السطحية؟!
•••
بحثا عن معادلة حقيقية للتغيير، وقطف ثماره ،وفي عصر يتسم بالتسارع المفرط والبحث الدائم عن النتائج اللحظية، تقف المجتمعات أمام تحدٍّ حضاري وفكري خطير؛ أهم ملامحه الانجراف وراء "ثقافة الوجبة السريعة" في التنمية والعمل والإنجاز.
لقد اعتاد العالم المعاصر أن يقيس النجاح بعدد "الكبسات" أو بمعدل السرعة التي تُحقق النتائج الشاطحة، مما أوجد حالة من "الهشاشة" الإستراتيجية التي تنهار أمام أول اختبار حقيقي.
إن النهوض الحضاري لا يُبنى بالقفز الفجائي، بل بالبناء التراكمي الصبور؛ فالأمم التي طالت السحاب وحققت معدلات تنموية هائلة لم تبلغ مكانتها بالطفرات العشوائية، بل بمعادلة صلبة تقوم على جاذبية الغرس "الأصيل" وتجاوز وهم الحصاد "المبتسر".
• أزمة "الحصاد السريع" وهشاشة البناء:
تتجلى خطورة ثقافة "الحصاد السريع" في أنها تحول الطاقة البشرية والإنتاجية إلى مجرد ظاهرة استعراضية، تبحث عن الثناء العاجل والتغطية البرّاقة، وتغفل عن القواعد والأساسات التي تحمي هذا البناء من الانهيار.
ولا ريب أنه عندما يتطلع الفرد أو المؤسسة إلى جني الثمار قبل أن تتعمق الجذور في التربة، نكون أمام ظاهرة "التنمية الصورية" ،التي تستهلك الموارد دون أن تترك أثراً مستداماً.
إن الرغبة الملحة في قطف النتائج دون المرور بمراحل الرعاية والسعي والتعلم، تخلق حالة من التشتت والسطحية. فهي تجعل المجتمع أسيراً للنتائج المؤقتة، وتزهد الناس في المشاريع طويلة الأجل التي تشكل النواة الحقيقية لأي نهضة علمية، اقتصادية، أو ثقفية.
وتتلخص تداعيات هذه الثقافة في ثلاثة مخاطر رئيسة:
ـ استنزاف الطاقات: وتتجلي صور هذا الاستنزاف في تبديد الجهود باستعراضات شكلية تبحث عن إعجاب الجمهور العابر وتفتقر إلى استراتيجيات الاستمرارية.
ـ إحباط الأجيال: ومن مقابحه تنشئة أجيال تتوقع النتائج بلا جهد متواصل، فتصطدم بواقع الحياة وتتراجع عند أول عثرة.
ـ غياب الأثر التراكمي: ويأتي كنتيجة طبيعية للانشغال ببدء مشاريع جديدة باستمرار دون إتمام المشاريع القائمة، مما يجعل البناء مهزوزاً وعرضة للزوال.
• ترسيخ ثقافة "الاصطبار على الغرس" والعمل المستدام:
في المقابل، تقف ثقافة "الاصطبار على الغرس" كركيزة أساسية لبناء المستقبل.
وتحمل كلمة "الاصطبار" في جوهرها معنى المباشرة والمكابدة والمشقة الواعية؛ فالصبر ليس مجرد انتظار سلبي، بل هو حركة دائبة، ورعاية متواصلة، وإيمان عميق بأن لكل بذرة تقويمها الزمني الخاص كي تكتمل وتؤتي أكلها.
ويعتمد العمل "المستدام" على رؤية واضحة تنظر إلى الغد بعين المسئولية والوعي ،فهو إدراك تام لأن شجرة الزيتون المباركة لا تُثمر في ليلة وضحاها، وأن المبان الشاهقة تحتاج أوقاتاً أطول في صبّ الأساسات تحت الأرض مقارنة بالوقت الذي تستغرقه في التطاول نحو السماء.
• المبادئ الكبرى لثقافة الاصطبار على الغرس:
ـ الإيمان بالبناء التراكمي: ويأتي عن طريق معرفة أن خطوة واحدة منتظمة يومياً أبلغ وأعمق أثراً من وثبات متباعدة يعقبها الفتور.
ـ إتقان الأساسات: بالتركيز على إعداد العنصر البشري، وتطوير المؤسسات، وبناء البنية التحتية الفكرية والعلمية قبل المطالبة بالنتائج النهائية.
ـ مرونة المواجهة: بالتعامل مع الصعوبات والعثرات على أنها جزء طبيعي من نمو "النبتة التنموية"، وليست سبباً للتراجع أو الشك في جدوى الفكرة.
• استثمار الطاقات المعطلة.. الركيزة المفقودة:
وفقا للخبراء ومعطيات الواقع ،فلا يمكن لمعادلة التغيير أن تكتمل بعقول قليلة تخطط وأيادٍ معدودة تعمل، بينما تقف قطاعات واسعة من المجتمع على دكة "الاحتياط" أو في هامش المشهد.
إن الجريمة الكبرى التي ترتكبها المجتمعات في حق نفسها هي ترك ،أو أهمال "الطاقات المعطلة" دون استثمار وتوجيه.
وتتنوع هذه الطاقات بين:
ـ طاقات الشباب المتدفقة: التي قد تضل طريقها أو تتشتت في عالم العالم الرقمي والإلهاء اليومي إذا لم تجد حاضنات حقيقية توظف شغفها في مشاريع بناء نفعية.
ـ خبرات الرواد والكبار: التي تتراكم عبر العقود وتهمش في كثير من الأحيان بدعوى تجديد الدماء، في حين أنها تمثل "الخزان"الفكري و"البوصلة" الموجهة للجيل الجديد.
ـ الكفاءات المهمشة: وهي العقول والمهارات التي لم تجد الفرصة للظهور بسبب البيروقراطية أو غياب أدوات اكتشاف المواهب.
في تصوري أن دمج هذه الطاقات المعطلة في دورة الإنتاج ليس مجرد خيار اجتماعي أو مبادرة خيرية، بل هو شريان الحياة لأي مشروع نهضوي حقيقي.
كما أن تحويل العاطل عن العمل إلى منتج، والمستهلك إلى صانع، والمحبط إلى مشعل أمل، يضاعف قوة المجتمع ويجعله عصياً على الانكسار.
•الرؤية الجمعية: منصة الانطلاق نحو المستقبل:
إن بعثرة الجهود -حتى وإن كانت صادقة ومخلصة - تؤدي إلى ضياع الأثر. ومن هنا تأتي أهمية تعزيز "الرؤية الجمعية" بصفتها المظلة الجامعة التي تتآزر تحتها كافة المبادرات الفردية والمؤسسية.
وهي تعني أن يتفق المجتمع، بكل مكوناته من مؤسسات حكومية، وقطاع خاص، ومجتمع مدني، وأفراد، على هدف أسمى ومسار تنموي محدد.
وهي البوصلة التي تضمن ألا تلغي جهودُ فريقٍ ما أنجزه فريقٌ آخر، وأن يصب الجميع في نهر تنموي واحد.
وتتحقق الرؤية الجمعية من خلال:
ـ التكامل لا التنافس الهدّام: صياغة أهداف مشتركة تجعل النجاح محسوباً للجميع، والعمل بروح الفريق الواحد الذي تتوزع فيه الأدوار بدقة.
ـ الشفافية والمشاركة: إشراك المجتمع في وضع الخطوات وفهم حجم التحديات، مما يبني جسور الثقة ويجعل المواطن شريكاً أصيلاً في "الغرس" وحامياً للثمار.
ـ الاستمرارية العابرة للأفراد: بأن تكون الخطط التنموية مؤسسية مستدامة، تستمر وتنمو بغض النظر عن تغيير الأشخاص أو قيادات التنفيذ.
وفي الختام فإن المستقبل ليس يوماً ننتظره ليمر علينا، بل هو بناء نشيّده اليوم بأيدينا وأفكارنا.
ولن تنهض أمة تتطلع إلى قطف سريع لثمار لم تتعب في غرسها، ولن يتحقق تغيير ذو قيمة ما لم نتحرر من عقدة الظهور العاجل والنتائج السطحية.
إن المعادلة الحقيقية للتغيير تشترط منا التكاتف الفعلي ، واليقين بأن بذرة صدق ونفع يُغرس بها اليوم في عمق الأرض، هي أفضل بكثير من ألف شعار يُرفع في الفضاء دون جذور، فلتتضافر الجهود، ولنتسلح بالصبر، ولنعمل برؤية "جمعية" لا تستثني أحداً، حتى نطمئن جميعاً إلى أن ما نزرعه اليوم بإرادتنا، ستحصده أجيالنا القادمة عزاً وكرامة واستقراراً.. وإنا لقادرون بإذن الله.