قهوة الصباح
حتى لا يصعد القارب إلى الجبل
تقول الحكمة الكورية «إذا كثر الملاحون، صعد القارب إلى الجبل» ويقول المثل المصري «المركب اللي ليها ريسين تغرق» ففي كل ملفاتنا التي تتضمن قضايا وأزمات تحتاج إلى حلول ناجعة تجد حالة من التشرذم الفكري وليس التنوع الذي يعكس ثراء الرؤى، فكل من يحمل فكرة اصلاحية أو تصحيحية يظل واقفا خلفها مدافعا عنها في البداية ثم يتحول الدفاع عن الفكرة إلى الدفاع عن الشخص الذي يحملها، وبالطبع يظهر وجه العملة الأكثر رداءة بتحويل المناقشات حول الفكرة إلى هجمات على أصحابها.
هذه متلازمة مصرية راسخة في جينات الكثيرين منا، فعندما يقدم احدنا فكرة أو مقترحاً يبدأ بعرض فكرته والترويج لها وهذا أمر محمود ومطلوب وواجب، أما أن يتحول الأمر إلى مقاطعة المختلفين مع الفكرة ثم الهجوم عليهم فتتحول الساحة إلى ساحة صراع وتكون المحصلة صفراً كبيراً! لن أقع في فخ ضرب الأمثلة عن ملفات وأزمات عديدة نواجهها بنفس السلوكيات حتى لا يمارس معي ما أراه يمارس مع غيري حينما يفصحون عن مواطن الخلل في أفكار معروضة فيتحولون إلى لوحة لتصويب السهام من كل مكان، وعلى كل أنا أكتب بقلمي وهذا كل ما أملكه وأقول بلساني وهذا غاية ما أستطيع.
إذا أردنا ان نكون مثل كوريا أو اليابان علينا ان نعمل كفريق متناغم بعيداً عن الشخصنة الملعونة التي تجهض كل محاولات الإصلاح، أكاد أجزم انه لا توجد فكرة واحدة مطروحة لإصلاح ملف ما وقد مهدنا لها الطريق حتى تكتمل، والسبب غالبا ليس في رداءة الأفكار وإنما في آرائنا فيمن طرحوها، فنحن مجتمع لا يقبل الأفكار الجديدة بسهولة، فكل فكرة ننظر إليها على أنها جزء خفي من مؤامرة كونية، ونبدأ في التفتيش في نوايا من طرحها ولا نسكت حتى نطرح صاحب الفكرة أرضاً ونوسعه ضربا حتى يتوب عن زندقة التفكير، فمن يضبط متلبسا بتهمة التفكير يكون مصيره كمصير محمد ابن أبي بكر، وهذا يؤدي في النهاية إلى انسحاب الشرفاء وأصحاب الأفكار والمخلصين تحت هجمات الغوغائية وحملة المباخر وأصحاب المصالح.
ربما نجد الكثير من الكفاءات قد فضلوا الابتعاد طواعية خوفا من الدخول في ساحة النزال، نجد العالم من هؤلاء يجلس في ناديه أو حديقته صامتا وحينما تستفزه بالحديث عن حالنا وعن ظروفنا الصعبة وعن نقص الكوادر في ظل حالة التجريف المجتمعي، تجده صارخا في وجهك، وهل البيئة صالحة لاستقبال الكفاءات واستقدام الطيور المهاجرة واستيعاب من يجلسون على الدكة؟ أقول بكل جراءة وثقة، نعم البيئة صالحة والدولة الرسمية تبحث عن كل الكفاءات الذين يحملون أفكاراً إصلاحية قابلة للتطبيق في ظل ظروفنا المعروفة، فيكون الرد وهل المجتمع بكل قواه ومؤسساته سيترك من يحمل أفكاراً في تحويلها إلى برامج عمل قابلة للتطبيق، وواصل حديثه بأن حزب أعداء النجاح يعمل بنشاط ويبدأ دائما بتفخيخ الأفكار الإصلاحية تحت عناوين شعبوية خالية من المضمون، فكل صاحب فكرة جديدة يتم تصنيفه على أنه خائن أو عميل أو متآمر.
فالاقتصاد المصري يسير منذ عقود على قضبان ليست متماثلة، فهل نحن سوق حرة وقطاع خاص ومنافسة كاملة أم اننا دولة تملك وتدير وتراجع نفسها بنفسها ويستهلك الدعم معظم ميزانيتها ويبقى الجزء الباقي لخدمة الدين أو العكس؟ يا سيدي إذا لم يكن هناك تناغم حقيقي بين جميع الجهات والمؤسسات ستصعد السفينة إلى الجبل ولن تواصل الإبحار مهما كانت مهارة الربان، كما تقول الحكمة الكورية، وفي كل الأحوال يبقى الأمل وتبقى الأبواب مفتوحة، وأختم بحكمة كورية معبرة «حتى لو انهارت السماء، تبقى هناك فتحة للنجاة».