رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بالبنط العريض

آسيا بعين مصرية

بوابة الجمهورية

قبل أيام كنت في زيارة إلى كلية الدراسات الأسيوية العليا بجامعة الزقازيق وهي المؤسسة الأكاديمية الرائدة التي دأبت على تقديم قراءات معمقة لربط مصر بمحيطها الآسيوي الشاسع, وشرفت بأن أهداني الأستاذ الدكتور فتحي العفيفي وكيل الكلية والقامة الأكاديمية البارزة في مجال التاريخ الحديث والمعاصر والدراسات الاستراتيجية والاجتماعية في مصر والوطن العربي, أحدث نسخة من مؤلفه الأكاديمي والبحثي الأشهر"التقرير الاستراتيجي الأسيوي", أول منتج  أكاديمي دوري متكامل بالمنطقة العربية مخصص بالكامل لدراسة الشأن الآسيوي وتحولاته الجيوسياسية والتنموية, يستهدف رصد مسارات الصعود الاقتصادي في الدول الآسيوية الكبرى وربطها بمتطلبات الأمن القومي والنهضة العربية والمصرية. 

الدكتور فتحي العفيفي باحث رصين وراؤه خلفية أكاديمية عميقة في دراسة الأزمات الإقليمية، والجيوسياسية، ومسائل الحدود السياسية والأمن القومي وقد مكّنه ذلك من امتلاك أدوات بحثية فائقة لقراءة التحولات المعقدة والتوازنات الدقيقة في القارة الآسيوية، والربط الدائم بينها وبين الأمن القومي العربي والمصري.

رغم كبر حجم التقرير الذي يقترب من ال500 صفحة, لكنه مشوق لدرجة أنك تستغرق في القراءة من فصل إلى آخر وتجد نفسك أمام كم كبير من المعلومات يتم سردها وتبويبها بأسلوب مشوف وربطها بقضايا دولية كبيرة كانت آسيا طرف فيها، ظلت آسيا لعقود تفتقر إلى نافذة تحليلية عربية مخصصة، ترصد تفاعلاتها بشكل دوري وممنهج ومن هنا جاء مشروع الدكتورالعفيفي نتاجاً لأكثر من ثلاث سنوات من البحث والدراسة المتعمقة ليتجاوز هذا النقص المعرفي, ولم يقتصر دور التقرير على كونه مجرد سرد للمعلومات، بل عُني بإدارة التنوع المعرفي عبر الأبحاث المتقدمة، واضعاً في اعتباره الشواغل الأمنية القومية وتأثير بؤر الاضطراب والحروب التي ضربت وتضرب أقاليم مختلفة من العالم.

يقدم التقرير الاستراتيجي الآسيوي رؤية ثلاثية الأبعاد؛ تشمل الأبعاد السياسية، الاقتصادية، والثقافية للقارة الآسيوية. ويستعرض دراسات تفصيلية حول عدة قضايا استراتيجية هامة، أبرزها على سبيل المثال قضية إصلاح مسارات التنمية وفيها عرض نماذج النهوض الهيكلي في دول جنوب وجنوب شرق آسيا (مثل الهند، إندونيسيا، ماليزيا، وسنغافورة)، ومقاربتها مع مسيرة الإصلاح والتنمية الشاملة التي تتبناها الدولة المصرية, وقضية أمن الموارد الطبيعية والمعلومات وفيها ناقش إشكاليات أمن الطاقة والمياه، وتعظيم سبل الاستفادة من الموارد الطبيعية, إلى جانب دراسة أمن المعلومات والدور المحوري الذي يلعبه في مكافحة الإرهاب الإلكتروني وفهم أزمات الخطاب السياسي للتنظيمات المتطرفة في غرب آسيا.. كما تناول التقرير قضية التعددية والتعايش السلمي شارحا مفاهيم التعايش والتعددية الدينية والثقافية في مجتمعات آسيوية متنوعة، ووثق دور بحوث الأديان في تجديد الخطاب الديني وبناء نماذج للسلام المجتمعي.. ولم يغفل التقرير الإعلام والدبلوماسية, فسلط الضوء على الدور المعقد للإعلام في الحروب الخارجية من خلال دراسات تطبيقية وازنة تشمل قوى إقليمية كبرى كالصين واليابان.

تتجلى القيمة المضافة الكبرى للتقرير في تسليطه الضوء على البعد الآسيوي داخل أروقة السياسة الخارجية المصرية,فبحسب مؤلفه فأن صياغة أي توجه استراتيجي مصري أو عربي مستقبلي لايمكن أن يغفل بناء شراكات راسخة مع القوى الآسيوية الصاعدة, لذلك يتيح التقرير لصناع القرار قراءة واعية لفرص التعاون الاقتصادي، التجاري، والتكنولوجي، فضلاً عن استشراف مستقبل العلاقات الدبلوماسية في ظل الاستقطاب الدولي الراهن.

يهدف التقرير بالأساس إلى بناء جسور حقيقية للتواصل الفكري بين الشرق العربي والشرق الآسيوي، متجاوزاً الصور النمطية السطحية نحو فهم أعمق للجذور الثقافية والسياسية التي تحرك صناعة القرار في بكين، دلهي، طوكيو، وجاكرتا.

في رأيي أن التحول الدراماتيكي نحو الشرق الذي يشهده العالم المعاصر في موازين القوى السياسية والاقتصادية، وهو ما يُعرف على نطاق واسع بالقرن الآسيوي, يزيد من أهمية التقرير, ففي ظل هذا التحول المتسارع وتنامي دور القارة الصفراء كمركز ثقل عالمي، برزت الحاجة الملحة في المكتبة العربية لمرجع علمي شامل يحلل الشأن الآسيوي بأبعاد استراتيجية ورؤية عربية خالصة. 

يمثل التقرير الاستراتيجي الآسيوي إضافة نوعية للمكتبة العربية, تبرهن على أن البحث الأكاديمي العربي قادر على مواكبة التحولات الكونية الكبرى وتقديم إجابات علمية رصينة لتحديات العصر, فقد سجل الدكتور العفيفي بهذا التقرير خطوة ريادية غير مسبوقة في الفكر الاستراتيجي العربي, تعد بمثابة دعوة مفتوحة للباحثين والمخططين الاستراتيجيين لإعادة قراءة الخريطة العالمية من منظور شرقي، مما يساهم بشكل فعال في حماية المصالح العليا وصياغة مستقبل أكثر توازناً للأمن القومي العربي.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة