لا تفهمونا غلط
أنقذوا مهرجاناتنا.. من بيروقراطية التمويل إلى الاستثمار الثقافي والسياحي
تعد المهرجانات الثقافية والفنية في مصر واحدة من أهم ركائز القوة الناعمة التي شكلت وجدان المنطقة العربية لعقود طويلة، غير أن هذه المحافل التاريخية باتت تواجه أزمات مركبة تهدد استمراريتها وتلقي بظلالها على ريادتها الفنية.
وتتجسد أبعاد المشهد المؤلم في تراجع الخريطة المهرجانية المصرية؛ إذ لم يعد لدينا مهرجان دولي يحمل اسم مصر على الساحة سوى "مهرجان القاهرة السينمائي الدولي" وذلك بعد توقف "مهرجان الإسكندرية"، بالتوازي مع أزمة "مهرجان الموسيقى العربية" الذي يخاطب المنطقة العربية برمتها ويواجه تعثراً مالياً حاداً يجعله مهدداً بالتوقف.
وتعود أصل هذه الأزمات إلى المحدودية الحادة للميزانيات المرصودة وضآلة التمويل مقارنة بالطفرة الهائلة التي تشهدها المهرجانات الإقليمية والدولية؛ وهو ما انعكس بشكل مباشر على مهرجان الموسيقى العربية بتسبب الضائقة المالية في غياب عدد من كبار نجوم الغناء عن دورته الأخيرة.
وفي السياق ذاته، يواجه الفنان القدير حسين فهمي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، المعاناة ذاتها والمتمثلة في عجز المهرجان عن استضافة كبار النجوم العالميين من مشاهير هوليوود، نظراً للشروط المالية الباهظة والأرقام الخيالية التي يطلبونها لمجرد الحضور والتي لا تتناسب إطلاقاً مع الميزانية المتاحة. فضلاً عن ذلك، تفاقم الإدارة البيروقراطية وارتهان الفعاليات بعقلية الإنفاق الحكومي المباشر والوظيفة التقليدية الأزمة بعيداً عن الاستثمار الاحترافي والمرن، ناهيك عن الخطاب الإعلامي الارتباكي الذي يكرس منطق العجز وقلة الحيلة أمام الرأي العام، مما يفقد هذه المحافل بريقها وهيبتها المكتسبة عبر التاريخ.
ولصيانة هذه القيمة الحضارية وصون الهوية الفنية المصرية، أصبح من الضروري إعادة صياغة الاستراتيجية الكلية لإدارة المهرجانات الوطنية، والتحول الفوري من نموذج الدعم التمويلي التقليدي إلى النموذج الاستثماري المتكامل القائم على عقد الشراكات الذكية مع مؤسسات القطاع الخاص والشركات الراعية، إلى جانب فتح مجالات التعاون مع صناديق الدعم الثقافي الدولية والإقليمية لتغطية التكاليف التشغيلية. كما ينبغي التركيز العميق على صناعة المحتوى الكيفي ونوعية العروض المتميزة والحصرية بدلاً من اللهث المنهك وراء الأرقام الخيالية للمشاهير، فالقيمة الحقيقية للمهرجان تكمن في صناعة النجوم واكتشاف الطاقات المستقلة وصون التراث وليس في حجم الإنفاق الشكلي.
إن الخروج من هذه الاختناقات المالية والإدارية يتطلب إرادة مؤسسية جادة تؤمن بأن المهرجانات الثقافية ليست عبئاً مالياً يثقل كاهل الدولة، بل هي استثمار واعد ومستدام يعزز المكانة المصرية ويحافظ على حضورها التأثيري في المشهد الفني الإقليمي والدولي.
إن النداء الحقيقي الواجب إطلاقه اليوم هو: أنقذوا مهرجاناتنا وانقلوها فوراً من بيروقراطية التمويل إلى الاستثمار الثقافي والسياحي الشامل؛ فالمهرجانات وإن كانت في جوهرها منتجاً ثقافياً وإبداعياً أصيلاً، إلا أنها تشكل محرّكاً اقتصادياً ورائداً أساسياً للسياحة والترويج لاسم مصر. إن العوائد السياحية المباشرة وغير المباشرة من إقامة الفعاليات الدولية تتجاوز بمراحل حدود الإنفاق، شريطة أن تُدار بفكره الواعي، ورؤيته الاستثمارية، وإدارته الاحترافية المرنة التي تتجاوز ضيق الميزانيات إلى رحاب القيمة المضافة.
[email protected]