رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بالبنط العريض

دبلوماسية الكتاب

بوابة الجمهورية

في عالم لم يخل من الصراعات لا يمكننا إغفال أن هناك دبلوماسية من نوع آخر, ناعمة سريعة التمدد, تبني الجسور العابرة للقارات بمنتهى السهولة, فكل المجتمعات لديها خصوصياتها الثقافية وتجربتها وما يروى عنها, وفي عالم أصبح أقرب إلى قرية كونية صغيرة بفعل الاجتياح التكنولوجي وثورة الاتصالات التي ألغت المسافات, تبرز أهمية الكتاب ودبلوماسية معارض الكتب العالمية, فمعظم دول العالم تقريبا تنظم معارض للكتب و تعرض إبداعها وإبداع غيرها وتبني شراكات ثقافية وتستضيف تجارب ثرية في هذه المعارض وهكذا  تتحرك خارطة الإبداع العالمي وفق مسارات ترسمها الكلمات، وتُقرّبها معارض الكتب الدولية, فلم تعد الأخيرة مجرد منصات تجارية، بل جسوراً حضارية تتخطى عقبات الجغرافيا وفروق اللغات.


في هذا المشهد الإبداعي المتسع، تبرز جمهورية كولومبيا كواحدة من أهم القوى الثقافية في أمريكا اللاتينية؛ بلدٌ يفيض بالتنوع المعرفي ويسكن في قلب المشهد الأدبي العالمي بفضل تراثه العريق وحراكه المعاصر والنابض بالحياة, ولا يمكن قراءة المشهد الثقافي العالمي دون التوقف مطولاً عند كولومبيا؛ فهي الأرض التي منحت البشرية تيار"الواقعية السحرية" على يد أديبها الراحل جابرييل جارسيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل عن روايته الخالدة "مئة عام من العزلة"، نجحت كولومبيا في عولمة سرديتها المحلية، رابطةً بين الواقع والخيال بأسلوب أسر ملايين القراء حول العالم، وضمنهم القراء العرب الذين وجدوا في أدب أمريكا اللاتينية تقاطعات إنسانية واجتماعية وثيقة الشبه بثقافتهم.


قبل أيام أعلنت إدارة معرض بوجوتا الدولي للكتاب (FILBo) وهو معرض الكتاب الأهم والأكبر في كولومبيا اختيار إمارة الشارقة أول ضيف شرف عربي في تاريخ المعرض لدورته التاسعة والثلاثين المقررة من 20 أبريل إلى 3 مايو 2027, هذا الاختيار ليس مجرد لفتة دبلوماسية، بل خطوة استراتيجية تجمع منارتين للكتاب بوجوتا عاصمة كولومبيا والعاصمة الفكرية للقارة اللاتينية، والشارقة عاصمة الثقافة والكتاب في العالم العربي.


بوجوتا، التي يُطلق عليها تاريخياً "أثينا أمريكا الجنوبية"، تضم بنية تحتية ثقافية مذهلة من مكتبات عامة عملاقة ومراكز فكرية رائدة, ويُعد معرضها الدولي للكتاب (FILBo)، الذي انطلق عام 1988 بالتعاون بين غرفة الكتاب الكولومبية ومركز "كورفيريس"، واحداً من أهم ثلاثة معارض للكتاب في العالم الناطق باللغة الإسبانية, إنه المحفل السنوي الأبرز الذي يجتمع فيه مئات الآلاف من القراء، إلى جانب المؤلفين والناشرين والوكلاء الأدبيين، ليصنعوا معاً منصة فكرية تقود الحوار الثقافي في النصف الغربي من الكرة الأرضية.


أما عن إمارة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة فحدث والحديث هنا يطول, فقد اتخذت الشارقة من الثقافة والكتاب مشروعا قوميا أشرف عليه بنفسه حاكمها الحكيم سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي, فلك أن تتخيل أن الشارقة وهي تبني بيوتا لأهلها تضع من الأساسيات أن يتضمن البيت قبل تسليمه لساكنه مكتبة متنوعة, ولذلك صار معرض الشارقة الدولي للكتاب واحدا من أهم و أكبر معارض الكتاب في العالم, ومن ثم فاختيار معرض بوجوتا الدولي للكتاب الشارقة ضيف شرف دورته القادمة بمثابة اعتراف دولي بالمشروع الثقافي الكبير الذي تقوده الإمارة منذ أكثر من أربعة عقود، برؤية واعدة من هيئة الشارقة للكتاب لتكريس المعرفة جسراً للتواصل بين الشعوب..  لقد رسخت الشارقة مكانتها العالمية كمركز للنشر وحاضنة للمبدعين، وجاء حضورها المرتقب في بوجوتا ليكون محطة مكملة لنجاحاتها السابقة كضيف شرف في معارض كبرى بأمريكا اللاتينية، مثل ساو باولو البرازيلية وجوادالاهارا المكسيكية.


تكمن الأهمية الكبرى لهذا الاختيار في كونه يلفت الأنظار لدبلوماسية من نوع آخر هي دبلوماسية الكتاب ويفتح الأبواب على مصراعيها لـحوار أدبي عربي-لاتيني مباشر ومستدام, وكما أشارت الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مجلس إدارة هيئة الشارقة للكتاب، فإن هذه المشاركة تستهدف بناء روابط مستدامة وتوسيع حضور الأدب العربي باللغة الإسبانية، وتقريب أدب أمريكا اللاتينية من القارئ العربي, وسيتيح المعرض للناشرين والمترجمين العرب فرصة استثنائية لبناء علاقات مهنية متينة، وتوقيع اتفاقيات تبادل حقوق النشر والتوزيع.


إن الثقافة العربية لم تكن غائبة عن الإرث الأدبي الكولومبي، بل ظهرت جلية في ثنايا روايات ماركيز من خلال المهاجرين الأوائل, واليوم، يتخذ هذا الحضور شكلاً مؤسسياً منظماً؛ إذ يلتقي الشرق بالغرب في "بوجوتا 2027" ليثبتا للعالم أن دبلوماسية الكتاب من أقوى الروابط الإنسانية، وهي الأكثر حضورا, وأن معارض الكتب قادرة على إذابة المسافات وصناعة وعي كوني مشترك يحتفي بالتنوع والجمال والإبداع.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة