مواقف من حياة الرسول
عبقرية النبي في غزوة ذات الرقاع
لم تكن الغزوات النبوية مجرد مواجهات عسكرية عابرة. بل كانت مدرسة متكاملة في التخطيط. والسياسة. والتربية. وإدارة الأزمات.. وتبرز غزوة ذات الرقاع "التي وقعت في السنة الرابعة أو السادسة للهجرة" كنموذج فذّ تتجلي فيه العبقرية القيادية للنبي محمد صلي الله عليه وسلم.. فرغم أن الغزوة لم تشهد صداماً دموياً كبيراً. إلا أن أهدافها الاستراتيجية والنفسية والتشريعية تحققت بالكامل. وصاغت دستوراً عسكرياً فريداً للمسلمين.
أولا:ً تجلت العبقرية الاستخباراتية والضربة الاستباقية.. فمن ركائز العبقرية العسكرية النبوية الاعتماد علي "الأمن الوقائي" ونظام الاستخبارات الدقيق من خلال رصد الهدف حيث وصلت التقارير الاستخباراتية إلي المدينة المنورة تفيد بأن حشوداً من قبائل أنمار وثعلبة ومحارب "من غطفان" تتجمع في نجد للإغارة علي المدينة واستغلال انشغال المسلمين بتداعيات الغزوات السابقة فلم ينتظر النبي صلي الله عليه وسلم وصول العدو إلي أسوار المدينة. بل اتخذ قراراً حاسماً بنقل المعركة إلي عقر دارهم.. فخرج في جيش قوامه ما بين 400 إلي 700 مقاتل. وسار في أراضي وعرة وشاقة حتي تفاجأ العدو بوجود الجيش المسلم في مرابعهم. مما أوقع الرعب في قلوبهم وتفرقوا في رؤوس الجبال. وبذلك أُحبطت المؤامرة دون إراقة دماء.
ثانياً يتجلي الإبداع التنظيمي والروحي من خلال مأسسة صلاة الخوف.. فقد شهدت غزوة ذات الرقاع نقطة تحول في التاريخ العسكري الإسلامي من خلال تشريع صلاة الخوف.. حين واجه النبي صلي الله عليه وسلم معضلة قتالية وهي كيف يؤدي الجيش عبادته الجماعية المفروضة دون أن يباغته العدو المتأهب؟.. فكان الحل الاستراتيجي بأن قسّم النبي صلي الله عليه وسلم الجيش إلي مجموعتين» مجموعة تقف في مواجهة العدو ومجموعة تصلي معه ركعة. ثم تنصرف المجموعة الأولي لتأخذ مكان الحراسة. وتأتي المجموعة الثانية لتصلي الركعة الثانية.. وحقق هذا الإجراء توازناً عبقرياً بين الحفاظ علي الجاهزية القتالية القصوي بنسبة 100%. وبين الحفاظ علي الروح المعنوية والاتصال الروحي بالخالق. مما أذهل الأعراب وأفقد بصيرتهم في القدرة علي اختراق الجيش.
وثالثاً: الثبات النفسي الفائق وتحويل التهديد إلي فرص فقد تجلت القيادة الفذة للنبي صلي الله عليه وسلم في ثباته الانفعالي والنفسي أثناء "إدارة الأزمات الفردية".. ففي طريق العودة. تفرق الجيش للاستراحة تحت ظلال الشجر. ونام النبي صلي الله عليه وسلم تحت شجرة وعلق سيفه بها.. واستغل أحد أعراب غطفان وهو غورث بن الحارث هذه الفرصة. فاخترط سيف النبي وقال له مهدداً: "من يمنعك مني؟".. وبجأش رابط وثقة مطلقة أجاب النبي: "الله".. وسقط السيف من يد الأعرابي بفعل الهيبة والذهول. فأخذه النبي وقال: "ومن يمنعك مني؟".. ورغم ذلك لم يقتل النبي صلي الله عليه وسلم الرجل بل عفا عنه. فتحول الرجل من عدوي محارب إلي داعية في قومه يقول لهم: "جئتكم من عند خير الناس". وكان العفو سبباً في إسلام خلق كثير.
رابعاً: يتجلي البُعد الإنساني وجبر الخواطر في القيادة.. فلم تنفصل العبقرية العسكرية عند النبي صلي الله عليه وسلم عن الرفق والرحمة بالجنود.. وتبرز هنا قصة الصحابي جابر بن عبد الله رضي الله عنه وجمله الضعيف عندما رأي النبي صلي الله عليه وسلم جابراً يتأخر في مؤخرة الجيش بسبب إعياء جمله. لم يتركه أو يزجره. بل سار إليه ونخس الجمل ودعا له فصار أسرع الجيش.. واستغل النبي هذه الفرصة ليؤنس وحشة جابر. فحادثه وسأله عن زواجه وأحواله المعيشية. ثم اشتري منه الجمل ووفّاه ثمنه ووهبه الجمل فوق الثمن كرماً وتقديراً.. وهذا الأسلوب القيادي يبني ولاءً مطلقاً لدي الجنود ويرفع الروح المعنوية للجيش بأكمله.