رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

اغتيال رئيس.. من قتل السادات؟

بوابة الجمهورية


في ذكرى استشهاد أنور السادات.. من خالد الإسلامبولي إلى عبود الزمر.. ومن «الفريضة الغائبة» إلى حلم الدولة الإسلامية 


لم يكن السادس من أكتوبر عام 1981 يومًا عاديًا في تاريخ مصر.


كان المصريون يحتفلون بذكرى عبور الجيش المصري قناة السويس واستعادة الأرض والكرامة، وكانت المنصة العسكرية تستعد للمشهد التقليدي الذي اعتادت مصر أن تراه كل عام.


لكن في ثوانٍ قليلة تحول مشهد النصر إلى واحدة من أخطر عمليات الاغتيال السياسي في التاريخ المصري الحديث.


الرئيس أنور السادات، بطل حرب أكتوبر وصاحب قرار العبور، كان يجلس فوق منصة النصر، وبينما تمر القوات أمامه خرج خالد الإسلامبولي ورفاقه من إحدى عربات العرض وفتحوا النار.


انتهت حياة السادات.


لكن السؤال الذي بقي مفتوحًا حتى اليوم ليس فقط:


من أطلق الرصاص على السادات؟
وإنما السؤال الأخطر:
من قتل السادات سياسيًا وفكريًا وتنظيميًا؟


هل كان خالد الإسلامبولي وحده؟


أم محمد عبد السلام فرج الذي صاغ الفكرة داخل تنظيم الجهاد؟


أم عمر عبد الرحمن الذي نسبت إليه فتوى إباحة قتل الرئيس؟


أم عبود الزمر الذي كان يرى أن اغتيال السادات يجب أن يكون مجرد بداية لانقلاب شامل وإسقاط النظام؟
أم أن كل هؤلاء كانوا حلقات في سلسلة واحدة انتهت عند منصة العرض العسكري؟


الرصاصة الأخيرة بدأت قبل المنصة بسنوات


الخطأ الأكبر في قراءة حادث المنصة هو التعامل معه باعتباره لحظة غضب فردية.


الحقيقة التي تكشفها التحقيقات والشهادات اللاحقة أن خلف العملية تنظيمًا وأفكارًا وخططًا سبقت السادس من أكتوبر بوقت طويل.


كان تنظيم الجهاد قد بدأ في بناء هيكل سري داخل المجتمع والجيش، وكانت فكرة تغيير نظام الحكم بالقوة موجودة قبل حادث المنصة.


وكان محمد عبد السلام فرج واحدًا من أهم العقول التنظيمية والفكرية في هذا التيار.


كتاب «الفريضة الغائبة» لم يكن مجرد كتاب ديني في سياق ذلك التنظيم، بل تحول إلى جزء من البيئة الفكرية التي بررت فكرة الخروج المسلح على الحاكم.


وهنا تظهر خطورة الفكرة عندما تتحول من نص إلى تنظيم، ومن تنظيم إلى سلاح، ومن السلاح إلى قرار بقتل رئيس الدولة.


لقد جرى الانتقال من سؤال:


هل الحاكم عادل أم ظالم؟


إلى سؤال أكثر خطورة:


هل يجوز قتله؟
وعندما أصبح الجواب عند بعض هؤلاء هو نعم، لم يعد السادات بالنسبة إليهم رئيسًا يمكن معارضته أو إسقاطه سياسيًا، وإنما أصبح هدفًا عسكريًا.


وهنا تبدأ الجريمة الحقيقية.


محمد عبد السلام فرج.. صاحب الفكرة أم صاحب الكتاب؟


هناك فارق مهم يجب ألا يضيع وسط الروايات.


فالمصادر والشهادات تميز بين صاحب الفكرة التنظيمية وبين من نسب إليه إصدار الفتوى.


منتصر الزيات، في شهادة لاحقة، قال إن محمد عبد السلام فرج كان مصدر فكرة قتل السادات، وإن كتابه كان بمثابة الإطار الفكري الذي دفع إلى العملية، بينما نسب إلى عمر عبد الرحمن إصدار الفتوى التي أجازت قتل الرئيس، بعد أن طلب خالد الإسلامبولي سماع الحكم الشرعي منه مباشرة.


وهنا يجب أن نتوقف.


لأن الجريمة لا يصنعها السلاح وحده.


السلاح يحتاج إلى فكرة.


والفكرة تحتاج إلى من يمنحها شرعية زائفة.


والشرعية الزائفة تحتاج إلى تنظيم يحولها إلى فعل.


وهكذا تصبح الجريمة سلسلة متكاملة:


فكرة.. تنظيم.. فتوى.. سلاح.. تنفيذ.


خالد الإسلامبولي.. الجندي الذي أصبح قاتل الرئيس


خالد الإسلامبولي لم يكن مجرد شخص عابر دخل إلى العرض العسكري مصادفة.


كان ضابطًا في القوات المسلحة، واستطاع أن يكون في المكان الذي يسمح له بتنفيذ العملية.


وهنا تكمن المفارقة التاريخية الأكثر قسوة.


الرئيس الذي قضى حياته العسكرية في مواجهة إسرائيل، والذي ارتبط اسمه بانتصار أكتوبر، قتل في ذكرى الانتصار نفسها، وعلى يد أحد أبناء المؤسسة العسكرية.


وبحسب تفاصيل القضية، كان الإسلامبولي هو المنفذ الرئيسي للعملية ومعه عبد الحميد عبد السلام وعطا طايل وحسين عباس.


لكن الإسلامبولي لم يكن بالضرورة يحمل التصور نفسه الذي كان يحمله عبود الزمر.


وهنا نصل إلى أخطر خلاف داخل التنظيم.


عبود الزمر.. قتل الرئيس أم إسقاط النظام؟


عبود الزمر كان ينظر إلى المسألة بصورة أوسع.


لم يكن يريد مجرد قتل السادات ثم ينتهي كل شيء.


كانت لديه رؤية انقلابية تقوم على استغلال لحظة الاغتيال لإحداث تغيير شامل في نظام الحكم.


وتشير شهادات لاحقة إلى أن الزمر كان يرى أن قتل الرئيس وحده لا يكفي، وأن المطلوب كان خلق حالة تؤدي إلى إسقاط النظام والاستيلاء على مؤسسات الدولة.


وهنا يظهر الخلاف بين مشروعين:


مشروع خالد الإسلامبولي: الوصول إلى السادات وقتله.


ومشروع عبود الزمر: قتل السادات باعتباره بداية لتحرك أكبر ضد الدولة.


وهذا الفارق ليس تفصيلًا صغيرًا.


لأنه يغير تفسير الحادث كله.


فإذا كان الهدف هو اغتيال الرئيس فقط، فنحن أمام عملية اغتيال سياسي.


أما إذا كان الاغتيال هو المرحلة الأولى من خطة للاستيلاء على مؤسسات الدولة وإعلان نظام جديد، فنحن أمام محاولة انقلاب مكتملة الأركان.


ماذا لو نجح عبود الزمر؟


هنا يدخل التاريخ منطقة الاحتمالات.


لا يمكن لأحد أن يجزم بما كان سيحدث لو نجحت بقية الخطة.


لكن السؤال مشروع:


ماذا لو تمكنت المجموعات التابعة للتنظيم من السيطرة على بعض مؤسسات الدولة بعد مقتل السادات؟
كانت الدولة المصرية تمتلك جيشًا ضخمًا وأجهزة أمن ومؤسسات مركزية، ولذلك فإن نجاح عملية الاغتيال لم يكن يعني تلقائيًا نجاح الانقلاب.


لكن في الساعات الأولى من أي اغتيال لرئيس دولة، يصبح عنصر المفاجأة أخطر من عدد المسلحين.
وكانت الخطة، وفق شهادات وروايات لاحقة، تتجاوز المنصة إلى التحرك نحو وسائل الإعلام ومواقع الدولة، وإعلان قيام نظام جديد.


ولهذا فإن السؤال التاريخي الحقيقي ليس:


هل كان يمكن للزمر أن يحكم مصر؟


وإنما:


هل كانت مصر ستدخل في حرب داخلية لو نجحت المرحلة الثانية من الخطة؟


وهذا احتمال كان يمكن أن يفتح بابًا مختلفًا تمامًا في تاريخ مصر.


سليمان الرحال.. الرجل الغامض


ومن أكثر الأسماء غموضًا في قصة تنظيم الجهاد اسم محمد سالم الرحال.


شخصية فلسطينية الأصل، ارتبطت بجماعات الجهاد، وذكرت شهادات لاحقة أنه لعب دورًا في الربط بين مجموعات مختلفة من التنظيم.


وتبقى حول الرحال روايات كثيرة، بعضها يحتاج إلى تدقيق تاريخي مستقل، خصوصًا ما يتعلق بتوقيت مغادرته القاهرة وما قيل عن حديثه داخل الطائرة بشأن إعلان الدولة الإسلامية ورفع الرايات السوداء.


ولهذا لا ينبغي أن نحول الرواية إلى حقيقة قطعية من دون وثيقة أو شهادة أصلية يمكن التحقق منها.


لكن وجود الرحال في شبكة العلاقات التنظيمية يفتح سؤالًا مهمًا:


هل كانت عملية المنصة جزءًا من مشروع أكبر من مجرد قتل السادات؟


الإجابة من الشهادات المتاحة تميل إلى أن بعض أجنحة التنظيم كانت تفكر بالفعل في تغيير شكل الدولة، وليس فقط التخلص من الرئيس.


هل كان السادات يمكن إنقاذه؟


ربما كان هذا هو السؤال الأكثر قسوة في القصة كلها.


لأن المعلومات الأمنية لم تكن غائبة بالكامل.


النبوي إسماعيل، وزير الداخلية وقتها، تحدث في شهادات صحفية وتلفزيونية عن وصول معلومات إلى جهاز أمن الدولة تفيد بأن التنظيم يخطط لعمل كبير في المنصة.


وقال إن مصدرًا مخترقًا للتنظيم أبلغ ضابطه بالمعلومات، ثم تحركت القيادات لإبلاغ الوزير، وأرسل ضابط بمذكرة إلى مكان العرض، لكن الشرطة العسكرية منعته من الدخول بعد وصول الرئيس إلى المنصة.
وهنا توجد واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في التاريخ المصري.


المعلومة كانت موجودة.


لكنها لم تصل إلى الرجل المطلوب في الوقت المطلوب.


رسالة وصلت.. ولكنها لم تصل


بحسب رواية النبوي إسماعيل، كانت هناك معلومات وصلت من مصدر داخل التنظيم، وحاول جهاز الأمن إيصالها إلى وزير الداخلية الموجود في المنصة.


لكن الضابط الذي حمل الرسالة لم يتمكن من الدخول بسبب الإجراءات الأمنية.


وقد أيد فؤاد علام، نائب رئيس مباحث أمن الدولة الأسبق، في شهادة تلفزيونية، رواية أن الرسالة لم تصل إلى الوزير قبل بدء إطلاق النار، مع إبدائه انتقادات شديدة لطريقة التعامل مع التحذير.


وهنا يجب أن نطرح السؤال بلا مجاملة:


هل كان هناك خلل في المعلومة؟


أم أن المشكلة كانت في طريقة نقلها؟


أم في الإجراءات الأمنية التي جعلت الوصول إلى المسؤول الأمني الأول داخل المنصة شبه مستحيل؟
أم أن الجميع كان يعلم بوجود خطر عام، لكنه لم يتصور أن التنفيذ سيحدث في تلك اللحظة تحديدًا؟
هذه ليست أسئلة صغيرة.


لأن اغتيال رئيس دولة لا يحدث فقط عندما يضغط القاتل على الزناد.


قد يحدث أيضًا عندما تفشل الدولة في تحويل المعلومة إلى قرار.


هل حذر نبوي إسماعيل السادات؟


نعم، بحسب رواية الوزير نفسه.


قال النبوي إسماعيل إنه حذر السادات من وجود مخطط لاغتياله، وإن الرئيس رفض ارتداء القميص الواقي من الرصاص، كما أكد أنه قدم له معلومات وتحذيرات قبل حادث المنصة.


لكن هناك فارقًا بين:


أن تعرف الدولة أن الرئيس مستهدف
وبين:


أن تعرف أن التنفيذ سيحدث خلال دقائق وفي مكان محدد.

 


هذا الفارق هو الذي حسم التاريخ.
الإذاعة البريطانية وشوارع القاهرة


بعد الاغتيال، تحولت القاهرة إلى مدينة صامتة.


وتناقلت روايات كثيرة وصفًا صادمًا للمشهد، من بينها ما نسب إلى إذاعة بريطانية من أن شوارع العاصمة خلت من البشر لأول مرة بعد إعلان اغتيال السادات.


وسواء كانت العبارة قد وردت بهذه الصيغة الدقيقة أو أعيد تداولها لاحقًا بصياغات مختلفة، فإن معناها يعكس حجم الصدمة.


مصر لم تكن تعرف فقط أنها فقدت رئيسها.


كانت تعرف أنها فقدته في يوم النصر.


وعلى منصة النصر.


وبين جنوده.


وبعد سنوات من الحرب التي صنعت شرعيته السياسية.


من قتل السادات؟


إذا كان السؤال قانونيًا، فالإجابة واضحة:


خالد الإسلامبولي ورفاقه نفذوا عملية الاغتيال.


أما إذا كان السؤال سياسيًا وتاريخيًا، فالإجابة أكثر تعقيدًا.


قتل السادات رصاص الإسلامبولي.


لكن وراء الرصاص كانت هناك بنية تنظيمية.


وراء التنظيم كانت هناك أفكار.


وراء الأفكار كان هناك خطاب ديني وسياسي منح العنف غطاءً.


وراء كل ذلك صراع على شكل الدولة المصرية نفسها.


ولهذا فإن اختصار الجريمة في شخص خالد الإسلامبولي وحده يعني إغلاق الملف عند لحظة إطلاق النار، بينما الحقيقة أن القصة بدأت قبل ذلك بكثير.


الفريضة الغائبة.. عندما تتحول الفكرة إلى رصاصة


الخطر في أي كتاب لا يكمن فقط في كلماته.


الخطر يبدأ عندما تتحول الكلمات إلى عقيدة مغلقة، ثم إلى تنظيم، ثم إلى طاعة، ثم إلى سلاح.


وهنا تظهر خطورة «الفريضة الغائبة» في سياق قصة اغتيال السادات.


فالكتاب لم يضغط على الزناد.


لكن الأفكار التي حملها بعض أعضاء التنظيم واستخدموها لتبرير العنف ساعدت في خلق المناخ الفكري الذي جعل قتل الحاكم ممكنًا في عقولهم.


وهذه هي أخطر مراحل التطرف.


أن يتحول الإنسان من معارض سياسي إلى قاضٍ، ثم إلى جلاد، ثم إلى قاتل يعتقد أنه ينفذ واجبًا مقدسًا.
هل كان عمر عبد الرحمن مفتي عملية الاغتيال؟


هنا يجب الحذر.


توجد شهادات لاحقة نسبت إلى عمر عبد الرحمن إصدار فتوى تجيز قتل السادات، بينما تشير مصادر أخرى إلى أدوار متعددة ومتباينة للشخصيات الدينية والتنظيمية داخل الجماعات التي شاركت أو ارتبطت بالمخطط.
ولهذا فإن التعامل الصحفي المسؤول يجب أن يقول:


نُسب إليه، وفق شهادات لاحقة، إصدار الفتوى.


لا أن نقدم كل تفصيل باعتباره حقيقة قضائية نهائية من دون تمييز.


فالتاريخ لا يحتاج إلى المبالغة حتى يكون صادمًا.


الحقيقة وحدها كانت كافية.


لحظة الرصاصة.. ولحظة سقوط الدولة من الذاكرة
في النهاية، لم يكن السادس من أكتوبر 1981 مجرد اغتيال رئيس.
كان محاولة لاغتيال معنى الدولة.
فالرئيس يمكن أن يموت.
لكن الدولة لا يجب أن تموت معه.
وهذا ما حدث.
قتل السادات، لكن مصر لم تسقط.
لم تتحول الدولة إلى دولة دينية.
لم تستول الجماعات المسلحة على مؤسسات الحكم.
ولم تتحول المنصة إلى بوابة لإقامة نظام جديد.
وهنا فشل الجزء الأكبر من المشروع.
نجحوا في قتل الرئيس.
لكنهم فشلوا في قتل الدولة.
السادات.. الرئيس الذي قتلته رصاصات يوم النصر
في السادس من أكتوبر كل عام، نتذكر العبور.
نتذكر الجنود.
نتذكر القناة.
نتذكر سيناء.


لكن في السادس من أكتوبر أيضًا يجب أن نتذكر أن الدولة المصرية تعرضت في اليوم نفسه لواحدة من أخطر محاولات اختراقها من الداخل.


أنور السادات مات فوق منصة النصر.


لكن التاريخ أبقى له مفارقة لن يستطيع أحد محوها:
الرجل الذي قاد مصر في حرب أكتوبر، قتل في ذكرى أكتوبر.
قتلته رصاصات خالد الإسلامبولي.
لكن خلف الرصاص كان هناك تنظيم.
وخلف التنظيم كانت هناك أفكار.
وخلف الأفكار كان هناك تصور لدولة مختلفة.


ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا في ذكرى رحيل السادات ليس فقط:
من قتل السادات؟


بل:
كيف وصلت مصر إلى اللحظة التي أصبح فيها القتل فريضة في عقول بعض أبنائها؟
وهذا هو السؤال الأخطر.
لأن الرصاصة يمكن أن تقتل رجلًا.


لكن الفكرة التي تجعل قتل الإنسان واجبًا مقدسًا يمكن أن تقتل وطنًا كاملًا.
وفي ذكرى السادس من أكتوبر، تبقى الحقيقة الأهم:
قتلوا السادات فوق منصة النصر، لكنهم لم يستطيعوا قتل مصر.


محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية
 

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة