رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

التكامل الإنتاجي.. مفتاح خروج إفريقيا من عباءة الاستهلاك

منتدى العلمين يضع خريطة طريق لتحويل القارة السمراء إلى قوة اقتصادية عالمية

الخبراء:

معقول .. افريقيا تملك ثلث ثروات العالم وحصتها من التصنيع 2% فقط!!!

البنية التحتية تمثل العائق الأكبر .. وتكلفة الشحن بين دول القارة مرتفعة جدا

التجربة المصرية في الطاقة والطرق نموذج قابل للتصدير لبقية القارة

دعوات لإنشاء وكالة تصنيف ائتماني إفريقية .. لتحرير القرار الاقتصادي

ودعوته لنقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة في الأسواق الإفريقية تفتح الباب أمام سؤال استراتيجي كبير: كيف تتحول هذه الرؤية الطموحة إلى واقع ملموس؟ وما الذي ينقص القارة السمراء لتنتقل من خانة التابع إلى مصاف القوى الاقتصادية الكبرى التي تنافس الغرب وتضاهي صعود الصين والهند؟

قوة اقتصادية مؤثرة

قال د. وليد عيد، أستاذ الاقتصاد المساعد بكلية التجارة جامعة أسيوط، إن القارة الإفريقية تمتلك مقومات تؤهلها لتكون قوة اقتصادية مؤثرة عالميًا، بما تملكه من ثروات طبيعية وقاعدة سكانية وأسواق متنامية وموقع جغرافي استراتيجي.

وأوضح د. عيد أن امتلاك الموارد لا يتحول تلقائيًا إلى قوة اقتصادية، ما لم يتم تحويلها إلى إنتاج وقيمة مضافة وتكنولوجيا وفرص عمل، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي يكمن في تعظيم العائد من هذه الموارد وبناء قوة إنتاجية مستدامة.

وأضاف أن التكامل الإفريقي يتطلب إعادة تعريفه ليتجاوز زيادة التجارة البينية إلى بناء مشروع إنتاجي مشترك تتكامل فيه الاقتصادات وفق ميزتها النسبية، وتتوزع مراحل الإنتاج والاستثمار بين الدول، لبناء سلاسل قيمة إفريقية قادرة على المنافسة.

وأكد أن هذا التحول يتطلب آليات متابعة دورية تقيس حجم الاستثمارات ونمو الصادرات وفرص العمل والتقدم التكنولوجي، لضمان الانتقال من الخطط إلى نتائج اقتصادية ملموسة.

أشار إلى ضرورة تطوير البنية الأساسية والطاقة والنقل والبنية الرقمية، وتيسير حركة رؤوس الأموال، وتقارب التشريعات، لافتًا إلى أهمية توجيه الاستثمارات نحو التعليم الفني والبحث العلمي وربط الجامعات باحتياجات القطاعات الإنتاجية، لضمان تحول الاتفاقات التجارية إلى نتائج ملموسة تعزز مكانة القارة عالميًا.

تنمية اقتصادية

يقول د. ماجد الباز استاذ المحاسبة المساعد بكلية التجارة جامعة قناة السويس أن ما طرحه الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال منتدى "العلمين – أفريقيا للأعمال" يضع اليد على جوهر الأزمة الأفريقية، موضحاً أن القارة تمتلك نحو ثلث الثروات المعدنية في العالم، وأكثر من نصف الأراضي الزراعية غير المستغلة على المستوي العالمي، ويسكنها أصغر شعوب الأرض من حيث معدل الأعمار، ومع ذلك ما زالت أكبر المستوردين وتنتظر ما تصنعه الدول الأخرى وللأسف من المواد الخام الافريقية.

أضاف أن حصة قارة أفريقيا من الصناعة التحويلية العالمية لا تتجاوز ٢ ٪، في حين انطلقت الدول الأسيوية مثل الصين والهند بسرعة كبيرة في هذا المجال، والسر يبدأ من الداخل، إذ لا تتجاوز التجارة البينية الأفريقية نحو ١٥ ٪ من إجمالي تجارة القارة، مقابل ما يزيد على ٦٠ ٪ في الدول الأسيوية ونظيرتها الاوروبية، بل إن شحن حاوية بين دولتين أفريقيتين متجاورتين قد يكلف أحياناً أكثر من شحنها إلى أوروبا. وعليه، لا يوجد تنمية اقتصادية لاي دولة بدون سوق داخلية موحدة.

أشار إلى أن الصين صنعت المعجزة الاقتصادية بأسواق تتجاوز المليار نسمة، وهي سوق تملكها أفريقيا اليوم عبر منطقة التجارة الحرة القارية لكنها لم تفعل بشكل حقيقي الي الآن، مما يستلزم الإسراع في إزالة العوائق للمنتجات  الافريقية وتسهيل حركة الأفراد ورؤوس الأموال.

وأوضح د. الباز أن ابرز المعوقات تكمن في البنية التحتية، فنحو ٦٠٠ مليون مواطن أفريقي ما زالوا بلا كهرباء، وفجوة تمويل البنية التحتية تقترب من مائة مليار دولار سنوياً، مؤكداً أن التجربة المصرية في مجال الطرق ومحطات الطاقة والمناطق الاقتصادية خلال العقد الماضي تمثل نموذجاً حقيقياً قابلاً للتطبيق في بقية دول القارة.

وتابع: أن الحلم الأفريقي لن يتحقق إذا حاولت كل دولة أن تصنع كل شيء بمفردها، فالطريق الأذكى هو التكامل عبر سلاسل قيمة إقليمية، يستخرج فيها المعدن في دولة ويعالج في ثانية ويتحول إلى منتج نهائي في ثالثة، وبالتالي فأن بوابة أفريقيا لن تفتح إلا لمستثمر حقيقي بهدف توطين الصناعة ونقل المعرفة وليس استخراج مواد خام فقط.

أما فيما يخص ملف التمويل، قال د. الباز أن الدول الافريقية تقترض بفوائد تفوق مخاطرها الحقيقية بسبب تصنيفات ائتمانية غير عادلة في أغلب الاحيان، وهو ما يستدعي دعم المؤسسات المالية الأفريقية، وتعبئة المدخرات المحلية، وبحث إنشاء وكالة تصنيف أفريقية تحرر القرار الاقتصادي للقارة من قبضة المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي، ويبقي الكنز الافريقي الأكبر هو الإنسان، فملايين الشباب يمكن أن يكونوا وقود النهضة إذا تسلحوا بالتعليم التكنولوجي والمهارات الرقمية، ويوجد تجارب أفريقية ناجحة في المدفوعات الرقمية وريادة الأعمال أثبتت قدرة القارة على الابتكار لا التقليد.

واختتم د. الباز بالتأكيد على أن ما ينقص أفريقيا لتقف في مصاف الدول هو استقرار يطمئن المستثمر، وحوكمة رشيدة، وإرادة جماعية تقدم المصلحة العامة لدول القارة على المصلحة الفردية لدولة معينة، مشيراً إلى أن القرن الحادي والعشرين قد يكون أفريقياً بامتياز، بشرط أن تقاس نتائج منتديات مثل منتدى العلمين بعدد المصانع التي تفتتح وفرص العمل المستحدثة، لا بعدد البيانات الختامية والتوصيات فقط.

شريك تكنولوجي

أكد د. محمد راشد، أستاذ الاقتصاد المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة بني سويف، أن القارة الأفريقية تمتلك مقومات هائلة تؤهلها للتحول إلى واحدة من أهم القوى الاقتصادية في العالم، مشيرًا إلى أن تحقيق ذلك يتطلب الانتقال من التعامل معها باعتبارها سوقًا استهلاكية إلى بناء شراكة إنتاجية وصناعية وتكنولوجية متكاملة.

وأوضح راشد أن ما أكده الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال منتدى "العلمين - أفريقيا للأعمال" بأن قوة أفريقيا تكمن في وحدتها وتعاونها الاقتصادي، يعكس رؤية واقعية لمستقبل القارة، حيث شدد الرئيس على أن أفريقيا لم تعد مجرد سوق استهلاكية، وإنما أصبحت شريكًا صناعيًا وتكنولوجيًا واعدًا، مع ضرورة بذل المزيد من الجهد لنقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة في الأسواق الأفريقية.

وأضاف أستاذ الاقتصاد المساعد أن تحقيق هذه الرؤية يبدأ بتعميق التكامل الاقتصادي الأفريقي، خاصة عبر تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، بما يسمح بإقامة سوق واسعة تتجاوز الحدود الوطنية، وتدعم حركة السلع ورؤوس الأموال والخدمات والعمالة، وتمنح الشركات الأفريقية القدرة على تحقيق وفورات الحجم والمنافسة عالميًا.

وأشار إلى أن القارة تحتاج كذلك إلى إعادة توظيف ثرواتها الطبيعية، فامتلاك أفريقيا احتياطيات ضخمة من النفط والغاز والمعادن والمواد الخام يجب ألا يقتصر على تصديرها في صورتها الأولية، بل ينبغي توجيه الاستثمارات نحو التصنيع المحلي وإقامة سلاسل قيمة متكاملة، بما يرفع القيمة المضافة ويوفر ملايين فرص العمل.

ولفت راشد إلى أن نقل التكنولوجيا وتوطينها يظل أحد المفاتيح الرئيسية لتحول القارة، وهو ما يتطلب تطوير التعليم الفني والجامعي، وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير، وإنشاء المراكز التكنولوجية وحاضنات الأعمال، وربط الجامعات بالصناعة، إلى جانب جذب الاستثمارات الأجنبية التي تتضمن نقل المعرفة وليس مجرد استغلال الموارد.

وتابع أن أفريقيا تحتاج إلى بنية أساسية عابرة للحدود تشمل الطرق والسكك الحديدية والموانئ والطاقة والاتصالات، فضلًا عن تعزيز التكامل في شبكات الكهرباء والتحول الرقمي.

واختتم د. راشد حديثه بالتأكيد على أن المنافسة مع القوى الاقتصادية الكبرى مثل الصين والهند والقوى الغربية لن تتحقق بتكرار تجاربها، وإنما ببناء نموذج أفريقي قائم على التكامل والتصنيع والابتكار والاستثمار في الإنسان، فإذا نجحت القارة في تحويل مواردها إلى إنتاج، وسوقها إلى قوة شرائية، وشبابها إلى قوة عمل ماهرة، فإنها لن تكون مجرد شريك في الاقتصاد العالمي، بل يمكن أن تصبح أحد مراكز القوة الاقتصادية المؤثرة فيه.

قيمة مضافة

تقول الخبيرة الاقتصادية د. زينب عبد الحفيظ قاسم، إن ما ينقص القارة الأفريقية لكي تصبح قوة اقتصادية كبرى توازي القوى الغربية والشرقية مثل الصين والهند، ليس نقص الموارد، بل ضعف القدرة على تحويل هذه الموارد إلى قيمة مضافة وقوة تفاوضية.

وأكدت، أن ما طرحه الرئيس عبدالفتاح السيسي يلامس جوهر المعضلة الأفريقية، موضحة أن الوحدة الاقتصادية ليست مجرد خفض للجمارك، وإنما بناء منظومة إنتاج قارية تتكامل فيها الصناعة والطاقة والنقل والتمويل والتكنولوجيا، لتصبح أفريقيا سوقاً للإنتاج المشترك لا مجرد أسواق متجاورة.

وأضافت أن هذا الطرح يتسق مع دعوات منتديات التكامل الأفريقي إلى التكامل وتوطين الصناعة، ومع ما تؤكده المؤسسات الاقتصادية الدولية بشأن أهمية ربط الأسواق الأفريقية بسلاسل قيمة إقليمية أكثر تكاملاً.

وأشارت الخبيرة الاقتصادية إلى أن توطين الصناعة لا يتحقق بإنشاء مصانع للتجميع فقط، بل بانتقال المعرفة، وتكوين الموردين المحليين، وربط الاستثمار الأجنبي بمراكز البحث والجامعات والتدريب، ورفع المحتوى المحلي تدريجياً.

وأوضحت أن نقل التكنولوجيا الحقيقي يعني أن تصبح الشركات الأفريقية قادرة على تشغيل التكنولوجيا وتطويرها ثم إنتاج جزء منها.

وتابعت: "ما ينقص أفريقيا هو رأس المال التنموي طويل الأجل، والبنية اللوجستية والطاقة الموثوقة، والمؤسسات التي تنفذ سياسات صناعية تتجاوز حدود كل دولة، مع تعليم فني وبحث علمي مرتبطين بالقطاعات ذات الأولوية. والدرس من الصين والهند ليس تقليد تجربتيهما، بل فهم أن الحجم السكاني والموارد لا يصنعان قوة وحدهما؛ القوة تنشأ حين تتكامل السوق مع التصنيع والمعرفة والتمويل. عندها تتحول أفريقيا من طرف يبيع الخام إلى طرف يحدد مكانه وشروطه في سلاسل القيمة العالمية". 

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة