تنمية الصحراء.. فرص واعدة للاستثمار وتعظيم الموارد
إدارة ذكية للمياه والصرف وحماية التربة.. زراعة مستدامة لتحقيق الأمن الغذائي
الخبراء:
بناء نموذج مصري يراعي الخصائص المناخية والجغرافية والمائية لكل منطقة
تعميق الاستفادة من التعدين والسياحة وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص
فمحدودية المياه، وارتفاع درجات الحرارة ومعدلات التبخر، وتدهور بعض الأراضي بفعل الملوحة وسوء الصرف والتعرية وزحف الرمال، تجعل مكافحة التصحر قضية تتجاوز حماية التربة إلى الأمن الغذائي والمائي والاقتصادي.
تتحرك مصر في هذا الملف من خلال الخطة الوطنية لمكافحة التصحر وتدهور الأراضي والجفاف للفترة من 2024 إلى 2030، التي تستهدف استعادة الأراضي المتدهورة، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، ودعم البحث العلمي والتكنولوجيا، ويؤكد الخبراء أن تحقيق هذه المستهدفات يتطلب الانتقال من مفهوم «غزو الصحراء» إلى «تنمية الصحراء»، ومن التوسع في المساحات المستصلحة إلى تعظيم العائد من كل متر مكعب من المياه، مع بناء نموذج مصري يراعي الخصائص المناخية والجغرافية والمائية لكل منطقة.
أكد الخبراء لـ"بوابة الجمهورية" أن هناك عددًا من المقترحات يمكن أن تشكل إطارًا متكاملًا للتنمية الصحراوية، وفي مقدمتها الإدارة الرشيدة للمياه والتربة، وتحسين شبكات الصرف والري، والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة، وتوظيف الاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية والذكاء الاصطناعي، واختيار المحاصيل والنباتات الملائمة للجفاف والملوحة وذات العائد الاقتصادي، إلى جانب تعظيم الاستفادة من التعدين والسياحة والنباتات الطبية والعطرية، وإشراك سكان الصحراء في إدارة مواردها، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، وربط مشروعات الاستصلاح بالجدوى الاقتصادية والبحث العلمي، والهدف في النهاية ليس تحويل الصحراء إلى نسخة من الوادي والدلتا، وإنما تحويل خصوصيتها الطبيعية إلى ميزة تنموية تدعم الأمن الغذائي والمائي، وتخلق فرص العمل، وتفتح مجالات جديدة للاستثمار.

محمد الشريف:
إدارة متكاملة للموارد الطبيعية والتوسع الزراعي والعمراني المستدام
قال محمد مرسي الشريف، الخبير الاستشاري في التعدين والأبحاث الجيولوجية وآبار المياه الجوفية، إن التصحر وتدهور الأراضي من أبرز التحديات التي تواجه مصر، في ظل الطبيعة الجافة وشبه الجافة، ومحدودية المياه، وتركز السكان والأنشطة الزراعية في الوادي والدلتا.
أوضح أن التصحر لا يعني تحرك الصحراء الطبيعية نحو الأراضي الزراعية، وإنما تدهور الأراضي في المناطق الجافة وشبه الجافة نتيجة تداخل العوامل المناخية والطبيعية مع الأنشطة البشرية غير المستدامة، مؤكدًا ارتباط الظاهرة بالأمن الغذائي والمائي وحماية الأراضي الزراعية.
أشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة ومعدلات التبخر، ومحدودية الأمطار، والضغط السكاني والتوسع العمراني، إلى جانب الملوحة وسوء الصرف وحركة الرمال والرعي غير المنظم، تزيد من مخاطر تدهور الأراضي.
أكد أن ندرة المياه تمثل أحد أهم تحديات مكافحة التصحر، خاصة أن سوء إدارة الري قد يؤدي إلى ارتفاع منسوب المياه الأرضية وصعود الأملاح إلى منطقة الجذور، ما يخفض إنتاجية التربة. كما يمثل سوء الصرف الزراعي عاملًا رئيسيًا في زيادة الملوحة، ولذلك فإن تحسين شبكات الصرف والإدارة الدقيقة لمياه الري من أهم إجراءات حماية الأراضي.
لفت إلى أن التوسع العمراني على حساب الأراضي الزراعية يستنزف موردًا طبيعيًا مهمًا، مؤكدًا ضرورة حماية الأراضي المنتجة بالتوازي مع استصلاح الأراضي الجديدة وفق دراسات دقيقة للتربة والمياه.
أوضح أن تعرية الرياح تحرك الرمال وتزيل الحبيبات الدقيقة من سطح التربة، بما يؤدي إلى تكوين الكثبان وتهديد الأراضي والطرق والمنشآت، بينما قد تؤدي السيول في بعض المناطق إلى انجراف التربة، وهو ما يستلزم دراسة الأودية ومسارات السيول وإنشاء منشآت الحماية عند الحاجة.
أضاف أن الرعي الجائر يؤدي إلى تراجع الغطاء النباتي وزيادة التعرية، مشددًا على أهمية تنظيمه وفق القدرة الاستيعابية للمراعي.
شدد الشريف على أن مواجهة التصحر يجب أن تقوم على إدارة متكاملة للمياه والتربة والزراعة والموارد الطبيعية، مع الاستفادة من الدراسات الجيولوجية والهيدرولوجية في تحديد المناطق الملائمة للتوسع الزراعي والعمراني وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد.

د. ضياء القوصي:
استثمار التعدين والسياحة والنباتات الطبية وخبرات أهل الصحراء لرفع كفاءة البيئة
أكد د. ضياء القوصي، خبير المياه والري والمستشار السابق بوزارة الري، أن الصحراء المصرية تحتاج إلى تغيير جوهري في طريقة التعامل معها، يبدأ بالانتقال من ثقافة «غزو الصحراء» إلى «تنمية الصحراء»، من خلال فهم طبيعتها وإدارة مواردها وفق إمكاناتها.
أوضح أن إشراك سكان الصحراء في رفع كفاءة البيئة يمثل نقطة مهمة، باعتبارهم الأكثر معرفة بظروفها ومواردها، مشيرًا إلى أن الاستفادة من خبراتهم يمكن أن تساعد في وضع حلول أكثر ملاءمة.
أشار إلى ضرورة التعامل مع الصحراء بصورة مختلفة عن الوادي والدلتا، خاصة في التوسع الزراعي، موضحًا أن الزراعات كثيفة استهلاك المياه لا تتناسب بالضرورة مع محدودية الموارد المائية، التي يجب أن توجه أولًا للاستخدامات الأساسية.
أضاف أن التعدين والعناصر النادرة يمثلان ثروة حقيقية، إلى جانب السياحة، خاصة في المناطق التي تضم شواهد على وجود الإنسان القديم. كما دعا إلى دراسة بعض الموروثات الطبية لدى سكان الصحراء علميًا قبل التوسع في استخدامها.
شدد على أن المياه المتاحة يجب أن تستخدم زراعيًا في أضيق الحدود، مع التركيز على النباتات الطبية والعطرية واستخدام نظم الري الحديثة. وأشار إلى إمكانية استخدام خزانات مرتفعة لتوصيل مياه الري بالاستفادة من فرق الارتفاع، بما يقلل استهلاك الطاقة.
أكد أن مصر تمتلك خبرات علمية تراكمت على مدار نحو قرن في دراسة الصحراء، مشيرًا إلى أهمية الاستفادة من الدراسات والأبحاث التي يضمها مركز بحوث الصحراء.
اختتم بالتأكيد على أن تنمية الصحراء لا تعني تحويلها إلى نسخة من الوادي والدلتا، وإنما استغلال مواردها وفق طبيعتها، مع ترشيد المياه والاستفادة من التعدين والسياحة والنباتات الطبية والعطرية والبحث العلمي.

د. محمد زورة:
منظومة خضراء متكاملة لتعزيز التنوع الحيوي والإنتاج والطاقة والبحث العلمي
قال د. محمد فرج محمود زورة، أستاذ المكافحة الحيوية المساعد بكلية الزراعة الصحراوية والبيئية بجامعة مطروح، إن مواجهة التصحر أصبحت قضية مرتبطة بالأمن الغذائي والمائي والاقتصادي، خاصة مع التغيرات المناخية وارتفاع استهلاك المياه، وهو ما يتطلب منظومة خضراء متكاملة لتعزيز التنوع الحيوي والإنتاج والطاقة والبحث العلمي.
أكد أن مكافحة التصحر لا يجب أن تعتمد على التشجير وحده، وإنما على اختيار النباتات المناسبة لكل بيئة، والقادرة على تحمل الجفاف والملوحة، مع مراعاة احتياجاتها المائية وقيمتها الاقتصادية وقدرتها على حماية التربة وتثبيت الرمال.
أوضح أن التربة يجب أن تكون في قلب منظومة المكافحة، لأن تدهور الأراضي يشمل انخفاض المادة العضوية والخصوبة والتملح والانجراف وفقدان القدرة الإنتاجية.
أشار إلى أهمية الزراعة العضوية وإعادة تدوير المخلفات الزراعية وإنتاج السماد العضوي واستخدام الكائنات الدقيقة النافعة لاستعادة حيوية التربة وتقليل الاعتماد على المدخلات الكيميائية، مؤكدًا أن المكافحة الحيوية تدعم التوازن البيولوجي داخل النظام الزراعي.
شدد على أن معيار نجاح التنمية الزراعية في الصحراء لا يجب أن يكون عدد الأفدنة المستصلحة، وإنما كمية الغذاء والإنتاج الاقتصادي الناتج عن كل متر مكعب من المياه.
لفت إلى أهمية الطاقة الشمسية والري الحديث والاستشعار عن بُعد والذكاء الاصطناعي في مراقبة التربة والنبات وتحديد الاحتياجات المائية وتقليل الفاقد.
أشار إلى إمكانية أن تمثل مطروح نموذجًا للتنمية المستدامة من خلال الجمع بين حصاد مياه الأمطار وإدارة المراعي وحماية النباتات المحلية والزراعة المستدامة والطاقة المتجددة والبحث العلمي.
أكد أن مصر لا تحتاج فقط إلى «سور أخضر»، وإنما إلى «منظومة خضراء متكاملة» تجمع حماية التربة والمياه والتنوع الحيوي والإنتاج الزراعي المستدام والطاقة المتجددة والبحث العلمي والمشاركة المجتمعية.

د. فاطمة أحمد:
التوسع في الزراعة الذكية مناخيًا وتعزيز كفاءة إدارة التربة والمحاصيل
أكدت د. فاطمة علي أحمد، أستاذ كيمياء النبات بمركز بحوث الصحراء، على ضرورة التوسع في الزراعة الذكية مناخيًا وتعزيز كفاءة إدارة التربة والمحاصيل، ذلك أن الصحراء تغطي أكثر من 96% من مساحة مصر، وأن زحف الرمال وتدهور التربة والملوحة والتغيرات المناخية تمثل ضغوطًا متزايدة على الأراضي الزراعية المحدودة.
أوضحت أن التصحرأصبح تحديًا استراتيجيًا يرتبط بمستقبل الموارد الطبيعية والتنمية المستدامة، خاصة مع ارتفاع الحرارة والتبخر وتراجع الموارد المائية المتاحة للزراعة.
أشارت إلى أن زحف الكثبان وارتفاع ملوحة التربة يؤديان إلى تراجع جودة الأراضي وإنتاجيتها، مؤكدة أن مواجهة هذه التحديات ترتبط بحسن إدارة المياه ورفع كفاءة استخدامها.
أضافت أن تثبيت الكثبان والتشجير يمثلان خط دفاع مهمًا من خلال مصدات الرياح وزراعة الأشجار الملائمة، إلى جانب الوسائل البيولوجية والهندسية للحد من حركة الرمال.
أوضحت أن مشروعات استصلاح الأراضي، ومنها مشروع مستقبل مصر ومشروع استصلاح المليون ونصف المليون فدان، تستهدف زيادة الرقعة الزراعية وإنشاء مجتمعات جديدة خارج الوادي والدلتا.
أكدت أهمية الري الحديث وإعادة استخدام المياه المعالجة وفق الضوابط، إلى جانب التوسع في الزراعة الذكية مناخيًا واختيار أصناف تتحمل الجفاف والملوحة والحرارة، والاستفادة من الاستشعار عن بُعد في تحديد احتياجات التربة والنبات.
أشارت إلى أن الطاقة المتجددة، خاصة الشمس والرياح، يمكن أن تسهم في تشغيل محطات التحلية وآبار الري، وتقليل الاعتماد على الطاقة التقليدية والانبعاثات.
شددت على ضرورة الربط بين إدارة المياه والزراعة الذكية والطاقة المتجددة والبحث العلمي، مع تطوير حلول تتناسب مع خصائص كل منطقة صحراوية.
اختتمت د. فاطمة بالتأكيد على أن الصحراء المصرية أصبحت مجالًا لفرص التنمية في الزراعة المستدامة والطاقة النظيفة والسياحة البيئية، وأن حسن التخطيط يمكن أن يحول التصحر من تحدٍ إلى فرصة لدعم الأمن الغذائي والمائي وخلق مجتمعات جديدة.

د. محمد عابدين:
الاستفادة من الخبرات الدولية والاستثمارات طويلة الأجل لتحقيق التنمية الخضراء
أكد د. محمد عبد الحميد عابدين، الخبير الزراعي والبيئي والباحث في وراثة وتربية النبات، أن التصحر يمثل قضية أمن قومي لارتباطه بالأمن الغذائي والمائي والاستقرار الاقتصادي، مشددًا على أن مواجهته تحتاج إلى استراتيجية وطنية متكاملة تستند إلى الخطة الوطنية لمكافحة التصحر وتدهور الأراضي والجفاف 2024-2030.
أوضح أن النظرة إلى الصحراء باعتبارها مساحات قاحلة يجب ترويضها لم تعد مناسبة، داعيًا إلى مفهوم التنمية الخضراء الذكية الذي يجمع حماية التربة وإدارة المياه والاستصلاح الزراعي والطاقة المتجددة والتكنولوجيا.
أشار إلى إمكانية الاستفادة من التجارب الدولية مع تكييفها مع البيئة المصرية، لافتًا إلى أهمية محطات المعالجة الكبرى مثل بحر البقر والمحسمة في إعادة استخدام المياه، إلى جانب الطاقة الشمسية لتقليل تكلفة تشغيل الآبار.
أكد أن نجاح مكافحة التصحر يرتبط بالتمويل وتكنولوجيا الري والجدوى الاقتصادية، موضحًا أن مشروعات تثبيت الرمال تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل وشراكة فعالة مع القطاع الخاص.
أضاف أن زراعة أنواع ذات عائد اقتصادي مثل الجوجوبا والنباتات الطبية والعطرية يمكن أن تحول التشجير إلى نشاط اقتصادي يساعد على تمويل الصيانة والاستمرار.
أوضح أن الاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية تتيح رصد بؤر تدهور الأراضي والتنبؤ بالجفاف وتحديد الأنماط المحصولية المناسبة، بما يسهم في ترشيد المياه.
اختتم بالتأكيد على أن تكامل سياسات المياه والطاقة النظيفة والقطاع الخاص والبحث العلمي يمكن أن يحول الصحراء إلى مجال للتنمية المستدامة وخلق فرص العمل وتعزيز الأمن الغذائي.

د. محمد نصر علام:
التوازن بين التوسع الزراعي والحفاظ على المياه وإخضاع كل مشروع جديد لدراسات الجدوى
أكد د. محمد نصر علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، على ضرورة التوازن بين التوسع الزراعي والحفاظ على المياه وإخضاع كل مشروع جديد لدراسات الجدوى، كما أن التعامل مع التصحر والتنمية الزراعية يجب أن ينطلق من خصوصية الوضع المائي والجغرافي لمصر، حيث تقع النسبة الأكبر من مساحة الدولة في نطاق الصحراء، بينما يتركز النشاط الزراعي في شريط ضيق بمحاذاة النيل.
أوضح أن ثبات الموارد المائية الرئيسية وزيادة السكان أديا إلى انخفاض نصيب الفرد من المياه إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا، وهو ما يجعل المياه المحدد الأساسي لأي خطط للتوسع الزراعي واستصلاح الأراضي.
أضاف أن مصر لا تستطيع اتباع نماذج الدول التي تمتلك وفرة من الأمطار والمياه، وإنما يجب تعظيم الاستفادة من كل متر مكعب، بالتوازي مع إعادة استخدام المياه والتوسع في التحلية للاستخدامات المناسبة.
أشار إلى أن مصر قطعت شوطًا في معالجة وإعادة استخدام المياه وتطوير شبكات الري والحد من الفواقد، بما يسمح بزيادة الإنتاج دون زيادات كبيرة في الموارد المتاحة.
أكد أن التوسع الزراعي يجب ألا يقاس بعدد الأفدنة، وإنما بكمية الإنتاج من كل وحدة مياه، مع رفع إنتاجية الفدان واختيار المحاصيل التي تتناسب مع طبيعة الأراضي واحتياجاتها المائية.
شدد على ضرورة إخضاع كل مشروع جديد لدراسة دقيقة للتربة والمياه والجدوى الاقتصادية، موضحًا أن التجارب الدولية يمكن الاستفادة منها ولكن لا يمكن نقلها حرفيًا بسبب اختلاف الظروف المائية والمناخية والجغرافية.
اختتم بالتأكيد على أن مستقبل استصلاح الصحراء يرتبط بتحقيق التوازن بين التوسع والحفاظ على الموارد المائية، بحيث تصبح كل قطرة مياه عنصرًا أساسيًا في حسابات التنمية الزراعية والأمن الغذائي.