رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من عبور أكتوبر إلى وعي المستقبل.. ماسبيرو وشهادات الصحافة العالمية في معركة الذاكرة الوطنية

حرب أكتوبر المجيدة
حرب أكتوبر المجيدة

أصبحت حرب أكتوبر المجيدة علامة ورمزًا للعزة والكرامة فى تاريخ مصر الحديث، وشهادة خالدة على بطولة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ،لم تبدأ حرب أكتوبر في السادس من أكتوبر 1973 فقط، ولم تكن لحظة العبور مجرد تحرك عسكري عبر قناة السويس، بل كانت نتيجة إعداد طويل لمعركة امتدت ساحاتها إلى ما هو أبعد من خطوط القتال، لتشمل السياسة والمعلومات والإعلام وإدارة الوعي.


هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تنتهي بانتهاء المعركة؛ لأن أثرها لا يبقى في ميادين القتال، وإنما ينتقل إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الوعي، ومن الوعي إلى القدرة على حماية المستقبل.


وتظل حرب أكتوبر 1973 واحدة من أبرز تلك اللحظات في التاريخ المصري.

وبعد 53 عامًا، لا تقتصر أهمية النصر على استعادة تفاصيل العبور والعمليات العسكرية، وإنما تمتد إلى سؤال أكثر ارتباطًا بالحاضر: كيف تتحول دروس أكتوبر إلى وعي قادر على التعامل مع تحديات زمن جديد؟

ومن هنا تأتي أهمية اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي في 29 سبتمبر بمقر القيادة الاستراتيجية في العاصمة الجديدة، بحضور رئيس مجلس الوزراء وأعضاء الحكومة والمحافظين وقيادات القوات المسلحة والشرطة وعدد من المسؤولين والخبراء والمتخصصين.

فقد أكد الرئيس أهمية حسن استغلال موارد الدولة، وترسيخ الثقة في مؤسساتها، وتأمين الجبهة الداخلية، مشيرًا إلى أن وعي المصريين يمثل حائط صد للدولة، وأن الحفاظ على مصر مسؤولية جماعية تتطلب تضافر المؤسسات والمواطنين. كما أشار إلى تعدد الأدوات المستخدمة في محاولات الإضرار بالدولة، ومن بينها مواقع التواصل الاجتماعي.

وهنا تلتقي رسالة الحاضر مع درس أكتوبر.

من جبهة القتال إلى جبهة الوعي

في السادس من أكتوبر 1973، كانت المعركة تُدار على الأرض وفي السماء وعبر قناة السويس، لكن إلى جوار ميدان العمليات كان هناك ميدان آخر شديد الحساسية: ميدان المعلومات والإعلام.

كانت البيانات العسكرية الرسمية مصدرًا أساسيًا للمعلومات التي يتلقاها المواطنون، بينما كان الإعلام مطالبًا بنقل ما يصدر عن المصادر الرسمية دون أن يتحول إلى قناة لكشف معلومات يمكن أن تؤثر في سير العمليات.

وفي تلك الساعات التاريخية، ارتبط صوت الإذاعة المصرية، وخصوصًا عبارة «هنا القاهرة»، بواحدة من أهم اللحظات التي عاشها المصريون.

كان المواطن ينتظر البيان ويتابع الأخبار ويستمع إلى ما يصل إليه من معلومات عن سير المعارك، في وقت كانت فيه المعلومة نفسها جزءًا من إدارة الحرب.

وهنا أصبح ماسبيرو أكثر من مؤسسة إعلامية؛ أصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية للصوت والصورة.

 

العالم يراقب العبور

لكن أهمية أكتوبر لم تتوقف عند حدود مصر.

فمنذ الساعات الأولى للحرب، أصبحت المواجهة محور اهتمام الصحافة ووكالات الأنباء الدولية، وبدأت الصحف الكبرى ترصد المفاجأة التي أحدثها الهجوم المصري السوري وتطورات القتال على جبهتي سيناء والجولان.

وفي 6 أكتوبر، نقلت وكالة United Press International – UPI أن القتال على الجبهتين المصرية والسورية كان الأعنف منذ حرب 1967، وأن القوات المصرية والسورية دخلت في مواجهة واسعة مع إسرائيل. كما نقلت الوكالة روايات الأطراف المختلفة حول بداية القتال، وهو ما يعكس طبيعة التغطية الدولية في الساعات الأولى للحرب.

وبعد اليوم الأول، بدأت الصحافة الدولية ترصد بصورة أوضح حقيقة العبور المصري واحتفاظ القوات المصرية برؤوس كباري على الضفة الشرقية.

وتشير مراجعات الصحافة الدولية التي وثقتها مصادر مصرية رسمية إلى أن The Washington Post في 7 و8 أكتوبر تناولت الكفاءة والتنظيم والشجاعة التي أظهرتها القوات المصرية والسورية، وربطت احتفاظ المصريين بالضفة الشرقية للقناة بتغير الصورة التي كانت قد ترسخت بعد حرب 1967. كما وثقت المصادر نفسها تغطيات لـ Reuters في 11 أكتوبر حول شدة الحرب وتغير المبادرة العسكرية.

وهذه الشهادات لا تعني أن الصحافة الدولية كانت تقدم رواية واحدة للحرب؛ فقد اختلفت التغطيات بحسب توقيت التقرير ومصدر المعلومات وميدان العمليات. لكن القاسم المشترك في الأيام الأولى كان الدهشة من نجاح العبور المصري والمفاجأة التي أحدثها في الحسابات العسكرية والسياسية.

«ديلي تلغراف».. العبور الذي غيّر المشهد

ومن أبرز ما تنقله المصادر المصرية عن الصحافة البريطانية، ما ورد في The Daily Telegraph في 7 أكتوبر 1973 بشأن عبور القوات المصرية قناة السويس واختراق خط بارليف، وربطت التغطية الحدث بتغير مسار التاريخ المصري والإقليمي.

وتكتسب هذه الشهادة أهميتها لأنها جاءت في الأيام الأولى للحرب، عندما كانت الصورة العسكرية لا تزال شديدة السيولة، وكانت الصحافة الدولية تحاول فهم كيف تمكنت القوات المصرية من عبور مانع مائي وخط دفاعي كان يُنظر إليه قبل الحرب باعتباره من أصعب التحصينات.

وهنا تظهر أهمية الوثيقة الإعلامية.

فما كان بالنسبة إلى المصريين خبرًا يتابعونه عبر الإذاعة والتليفزيون، كان بالنسبة إلى العالم حدثًا استراتيجيًا تتعامل معه وكالات الأنباء والصحف باعتباره تطورًا يعيد تشكيل المشهد في الشرق الأوسط.

واشنطن بوست ورويترز.. تغيير في ميزان الصورة

وفي الولايات المتحدة، عكست تغطيات The Washington Post في الأيام الأولى للحرب أثر العبور المصري على الصورة الذهنية التي تكونت بعد حرب 1967.

كما نقلت Reuters في 11 أكتوبر 1973 تقييمات أشارت إلى أن الحرب كانت من أشد الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ 1948، وأن المبادرة العسكرية الإسرائيلية تعرضت لانتكاسة في بداية الحرب. وتوثق مصادر مصرية رسمية هذه الشهادة ضمن عرضها لتغطية الإعلام الدولي لحرب أكتوبر.

ومن المهم هنا التمييز بين تقييم الصحيفة أو الوكالة في لحظة زمنية محددة وبين الحكم النهائي على الحرب بأكملها؛ فالحرب استمرت أسابيع وتغيرت خلالها موازين ميدانية عدة مرات.

وتؤكد أرشيفات صحف دولية ذلك بوضوح.

ففي 17 أكتوبر، نشرت The Guardian تقريرًا عن توغل إسرائيلي خلف الخطوط المصرية إلى الضفة الغربية للقناة، في إشارة إلى أن المشهد العسكري كان قد دخل مرحلة جديدة ومختلفة عن الأيام الأولى للعبور.

أما أرشيف Le Monde في 15 أكتوبر، فيرصد استمرار القتال وتطوراته على الجبهتين، وفي الوقت نفسه يشير إلى تثبيت القوات المصرية لمواقعها على الضفة الشرقية للقناة تحت حماية منظومة الدفاع الجوي.

وهكذا تقدم الصحافة العالمية صورة مهمة: العبور المصري كان لحظة مفصلية، لكن الحرب نفسها كانت عملية عسكرية وسياسية ممتدة شهدت تحولات متتالية.

ماسبيرو.. في مواجهة العالم

وفي الوقت الذي كانت فيه الصحف العالمية تكتب عن العبور، كان المصريون يتابعون الحرب من خلال الإذاعة والتليفزيون والصحف المصرية.

هنا يصبح ماسبيرو جزءًا من الصورة الأكبر.

فإذا كانت الصحافة العالمية قد نقلت للعالم كيف بدا العبور المصري من الخارج، فإن الإعلام المصري نقل إلى المواطن المصري تفاصيل اللحظة من الداخل، وفق البيانات والمصادر الرسمية المتاحة آنذاك.

وبذلك يمكن النظر إلى الإعلام باعتباره أحد الجسور التي نقلت الحرب من حدث عسكري إلى ذاكرة جماعية.

فصوت المذيع، وبيان القيادة العامة، وصورة الجندي، والخبر العاجل، والأغنية الوطنية، كلها أصبحت لاحقًا أجزاء من الذاكرة المصرية عن أكتوبر.

من وثيقة الحرب إلى صناعة الوعي

وهنا تتغير وظيفة الإعلام.

ففي عام 1973، كان المواطن ينتظر المعلومة من الإذاعة أو التليفزيون أو الصحيفة.

أما في عام 2026، فقد أصبح المواطن محاطًا بكم هائل من المعلومات والصور ومقاطع الفيديو التي تنتقل عبر المنصات الرقمية في ثوانٍ.

ولم تعد المشكلة هي نقص المعلومات، وإنما كيفية التمييز بين المعلومة الصحيحة والمعلومة المضللة.

وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة في ضوء حديث الرئيس السيسي عن الأدوات المختلفة لمحاولات الإضرار بالدولة، وعن أهمية الوعي وتماسك الجبهة الداخلية.

ومن هنا فإن استدعاء تجربة ماسبيرو في أكتوبر لا يعني العودة إلى أدوات الماضي، وإنما استعادة قيمة أساسية من تلك التجربة: الدقة، والمصدر، والوثيقة، والمسؤولية في نقل المعلومة.

أكتوبر في مواجهة الزمن الرقمي

وتزداد أهمية هذه المهمة عندما يتعلق الأمر بالأطفال والمراهقين.

فالأجيال الجديدة لا تتلقى التاريخ بالطريقة التي تلقته بها الأجيال السابقة.

هي ترى الحرب من خلال مقطع فيديو قصير، أو صورة أرشيفية، أو منشور على منصة اجتماعية، أو مادة مولدة بالذكاء الاصطناعي.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعلام يستطيع الجمع بين الوثيقة والحكاية والتكنولوجيا.

ويمكن لأرشيف ماسبيرو، إلى جانب أرشيف الصحف المصرية والدولية، أن يتحول إلى مادة معرفية حديثة؛ تُعرض من خلالها البيانات الأصلية، والصور، وشهادات الأبطال، وتغطيات الصحف العالمية، والخرائط والوثائق، في أشكال رقمية تصل إلى الأجيال الجديدة.

فبدلًا من أن يرى الطفل صورة قديمة للعبور، يمكن أن يعيش القصة من خلال تسلسل زمني موثق.

وبدلًا من أن يسمع رواية واحدة، يمكن أن يطّلع على كيفية تناول الصحف المصرية والعربية والدولية للحدث.

وبذلك يتحول الإعلام من مجرد ناقل للذاكرة إلى صانع للوعي التاريخي النقدي.

من «العبور» إلى «عبور المستقبل»

وهنا يصبح الربط بين أكتوبر واجتماع الرئيس السيسي أكثر وضوحًا.

فالتحديات التي تواجه الدولة اليوم تختلف في طبيعتها عن تلك التي واجهتها مصر عام 1973، لكن بعض القيم المطلوبة لمواجهتها تظل واحدة.

في أكتوبر كان هناك تخطيط للعبور.

واليوم هناك حاجة إلى التخطيط لعبور تحديات التكنولوجيا والاقتصاد والمياه والطاقة والأمن الإقليمي والذكاء الاصطناعي.

في أكتوبر كانت المعلومة عنصرًا من عناصر إدارة المعركة.

واليوم أصبحت المعلومة نفسها ساحة للمنافسة والتأثير.

وفي أكتوبر كان تماسك الجبهة الداخلية عنصرًا من عناصر قدرة الدولة على خوض الحرب.

واليوم يظل الوعي المجتمعي عنصرًا مهمًا في قدرة المجتمع على التعامل مع الأزمات والتحولات.

القيم واحدة.. لكن ميادين الاختبار تغيرت.

الإعلام.. من نقل النصر إلى حماية الذاكرة

وهنا تظهر مسؤولية الإعلام المصري بصورة أكثر اتساعًا.

فالإعلام لا يكتفي بإعادة رواية ما حدث في أكتوبر كل عام، وإنما يستطيع أن يجعل من ذكرى النصر مادة لبناء المعرفة والوعي.

وماسبيرو، بما يمتلكه من إرث إذاعي وتليفزيوني، يمكن أن يكون جزءًا من هذا المسار من خلال إعادة تقديم أرشيف أكتوبر للأجيال الجديدة، إلى جانب الاستفادة من أرشيف الصحافة المصرية والدولية.

فالبيان العسكري الذي سمعه المصريون قبل أكثر من خمسة عقود يمكن أن يصبح اليوم مادة تعليمية.

والصورة التي شاهدها العالم يمكن أن تصبح وثيقة تاريخية.

وتقرير الصحيفة الأجنبية يمكن أن يساعد الطالب على فهم كيف بدا الحدث من خارج مصر.

وشهادة أحد أبطال الحرب يمكن أن تمنح الأرقام والأحداث بُعدها الإنساني.

من أرشيف النصر إلى مستقبل الوعي

بعد 53 عامًا، لا ينبغي أن تظل حرب أكتوبر مجرد ذكرى سنوية تُستعاد في شهر أكتوبر، وإنما يمكن أن تتحول إلى مدرسة مستمرة في الوعي الوطني.

مدرسة يتعلم فيها الطفل معنى الانتماء، ويفهم فيها المراهق قيمة الوثيقة، ويدرك فيها المواطن خطورة الشائعة، ويتعلم فيها الجميع أن قوة الدولة لا تنفصل عن قوة وعي مجتمعها.

وهنا تتقاطع ذاكرة أكتوبر مع مسؤولية الإعلام، وتتقاطع رسالة ماسبيرو التاريخية مع أدوات العصر الرقمي.

ففي السادس من أكتوبر 1973، عبرت القوات المسلحة قناة السويس.

وفي الأيام التالية، انتقلت صورة العبور من الإذاعة والتليفزيون والصحف المصرية إلى عناوين الصحافة الدولية، فأصبح الحدث المصري جزءًا من النقاش العالمي حول مستقبل الشرق الأوسط.

واليوم تخوض مصر عبورًا من نوع آخر؛ عبورًا نحو المعرفة والتكنولوجيا والتنمية، وفي الوقت نفسه نحو حماية وعي المجتمع من التضليل والتزييف.

وبين العبورين تبقى الرسالة واحدة:

أن النصر لا يصبح تاريخًا حيًا إلا عندما يتحول إلى وعي، وأن الوعي لا يصبح قوة حقيقية إلا عندما يستند إلى الحقيقة.

ومن هنا، فإن الحفاظ على ذاكرة أكتوبر ليس مجرد احتفاء بالماضي، بل مسؤولية تجاه المستقبل؛ مسؤولية يستطيع الإعلام المصري، وماسبيرو بما يحمله من ذاكرة صوتية ومرئية، والصحافة الوطنية، أن تسهم فيها عبر تحويل أرشيف النصر وشهادات الصحافة العالمية إلى جسر يصل بين جيل صنع العبور وجيل يصنع عبور مصر إلى المستقبل.


 

 

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة