رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط

تكتسب لقاءات القمة بين القيادتين المصرية والسعودية أهمية استثنائية وبُعداً استراتيجياً فارقاً في ظل التطورات المتسارعة والظرف الإقليمي الأكثر تعقيداً في تاريخ المنطقة المعاصر، حيث جاءت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة لتعيد ترتيب الأوراق وتضع خريطة طريق متكاملة لحماية الاستقرار الإقليمي، وإن نتائج هذا اللقاء التاريخي لم تكن مجرد تفاهمات بروتوكولية عابرة، بل جاءت بمثابة رسالة حازمة ورد قاطع على كافة المحاولات المغرضة والأصوات التي سعت للتشكيك في صلابة العلاقات المصرية السعودية، أو التقليل من محورية الدور المصري، إذ برهنت المخرجات المعلنة على أن التنسيق الوثيق بين القاهرة والرياض هو صمام الأمان الحقيقي والأكثر فاعلية للحفاظ على أمن ومقدرات الأمة العربية.
وشهدت الزيارة إجراء جلستين أساسيتين للمباحثات؛ بدأت بجلسة ثنائية منفردة جمعت بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والأمير محمد بن سلمان لتحديد الأولويات الاستراتيجية العليا، تلتها جلسة موسعة بمشاركة أعضاء الوفدين من الوزراء والمسؤولين لوضع الأطر التنفيذية للتفاهمات، وقد برز خلال المباحثات الثقل السياسي والرؤية الحكيمة للدولة المصرية في إدارة قضايا الأمن القومي العربي، وخاصة منذ اندلاع المواجهات الأخيرة والتصعيد الأمريكي الإيراني المباشر وما فرضه من تهديدات خطيرة لسلامة الملاحة في المضايق الحيوية، وتجسد التوافق المصري السعودي في ضرورة تأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، وهو موقف لا يحمي فقط قناة السويس الشريان الاقتصادي لمصر، بل يضمن ثبات تجارة الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، ويؤكد قدرة مصر والخليج على فرض حماية ذاتية للممرات المائية ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة صراع للقوى الدولية.
وعلى صعيد الملفات الإقليمية المشتعلة، برهن التنسيق المصري السعودي على تلاحم فكري وسياسي يقطع الطريق على كل المراهنين على إحداث شقاق بين القوتين الكبريين، فقد أثبتت مصر دورها التاريخي والمحوري منذ اندلاع الأزمات المتلاحقة، سواء من خلال ثبات موقفها في حماية أمن ودول الخليج العربي واعتباره جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، أو عبر قيادتها الجهود السياسية والإنسانية الشاقة بشأن كل ما حدث ويحدث في المنطقة ، خاصة القضية الفلسطينية والأوضاع في غزة ، من سعي كان وراء وقف إطلاق النار الي تسهيل وصول المساعدات، وقد امتد هذا التناغم الاستراتيجي ليُشكل موقفاً صلباً في الملف السوداني، حيث أعلنت القاهرة والرياض بوضوح رفضهما التام لمساواة الجيش الوطني السوداني بأي مليشيات أو كيانات موازية، والتمسك الكامل بوحدة المؤسسات الوطنية وحفظ مقدرات الشعوب الشقيقة.
ولم تتوقف نتائج المباحثات المكثفة عند الحدود السياسية والأمنية، بل تعدتها لتشكل دفعة جادة للشراكة الاقتصادية، حيث اتفق الجانبان خلال جلسات الوفدين على إزالة كافة العقبات أمام زيادة التبادل التجاري وتوسيع آفاق الاستثمارات المتبادلة، مع التأكيد على تفعيل عمل مجلس التنسيق الأعلى المصري السعودي، والدفع نحو انجاز المشروعات الكبرى وعلى رأسها مشروع الربط الكهربائي بين البلدين، إن هذه الخطوات تعكس ثقة القطاع الاستثماري السعودي في متانة الاقتصاد المصري والرؤية التنموية للدولة المصرية، وتؤكد أن التعاون بين القاهرة والرياض ينطلق من أسس صلبة ومصالح متبادلة تعود بالنفع المباشر على الشعبين الشقيقين.
في النهاية .. تظل قمة القاهرة ومخرجاتها المعلنة شواهد تاريخية دامغة تعيد كتابة المشهد الإقليمي برؤية واقعية صلبة، وتضع القول الفصل أمام كافة المراهنات العابثة والدعاوى المضللة التي طالما سعت لمحاولة التشكيك في ثقل الدور المصري، أو التقليل من محورية القاهرة في إدارة معادلات الصراع بالشرق الأوسط.
لقد جاءت مخرجات هذه الزيارة الاستثنائية، بجلساتها المنفردة والموسعة، لتشكل صدمة إيجابية لكل من تصور أن العلاقات المصرية السعودية قد تعصف بها العواصف الجيوسياسية الطارئة، أو أن ثوابت التنسيق بين أكبر قوتين عربيتين يمكن أن تتأثر بحملات التشويه الرقمي أو الاستقطاب الدولي؛ إذ برهنت الوقائع الحية والقرارات المصيرية المتخذة بشأن أمن الملاحة في الممرات المائية الحيوية، والتمسك بمؤسسات الدولة الوطنية بالسودان، ودعم الحقوق الفلسطينية الراسخة، على أن الرؤية المصرية لم تكن يوماً مجرد رد فعل طارئ، بل هي استراتيجية أمن قومي حاسمة تعي أبعاد الخطر وتتصدي له بكل قوة واقتدار.
إن هذه القمة لم تكتفِ فقط بتجديد التوافق السياسي، بل أرسلت رسالة شديدة الوضوح لكل المراهنين على إيجاد شقاق أو إحداث فجوة بين القاهرة والرياض، مفادها أن الشراكة المصرية السعودية عصية على التشكيك أو الاختراق، وأن القاهرة ستظل دائماً الحصن المنيع والركيزة الأساسية التي لا يمكن تجاوزها أو الاستغناء عن حضورها عند رسم أي معادلة أمنية أو سياسية تخص المستقبل العربي.
لقد أثبتت التطورات المتلاحقة في المنطقة أن ثبات الموقف المصري ورسانة دبلوماسيته، جنباً إلى جنب مع التكامل الوثيق مع المملكة العربية السعودية، هما الجدار الصلب الذي يتحطم عليه أي مشروع يستهدف تفتيت المنطقة أو المساس بمقدرات شعوبها.
وهكذا، تعود القاهرة لتؤكد من جديد أن دورها التاريخي ليس مجرد تشريف، بل مسؤولية وقدر ورؤية ثاقبة تفرض احترامها على الجميع، لتظل العلاقات بين الشقيقين النموذج الأبرز والأكثر صلابة وتماسكاً في تاريخ العلاقات العربية المعاصرة، متطلعة بثقة واستقرار نحو صناعة غد أكثر أماناً وازدهاراً للجميع.
مصطفى البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة