من الألف إلى الياء
بمحدداتها وأبعادها الحضارية تُعد الهوية الثقافية والاجتماعية والوطنية إحدى أثمن ما يملكه المجتمعات؛ فهي نسيج ممتد من التاريخ، والقيم، واللغة، والممارسات التي تُشكل وعي الأفراد وتمنحهم شعوراً بالانتماء والتفرد.
ومع التحول الهائل الذي يشهده عالم اليوم ،فلم تعد الهوية تُبنى فقط في الأسرة والمدرسة والمجتمع المحلي، بل أصبحت تُصنع وتُعاد صياغتها داخل "خوارزميات" الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية. وفي الوقت الذي تُقدَّم فيه هذه الخوارزميات كأدوات "محايدة" تُسهّل الوصول إلى المعرفة، يكشف الواقع أنها تحمل في طياتها تحيزات عميقة تُهدد بتجريف الهويات الثقافية المتنوعة وإعادة تشكيل الوعي الجمعي وفق مقاييس أحادية.
إن شبح "الخوارزميات المتحيزة" أصبح وأمسي كابوسا مفزعا يطارد الهوية واللغة والتاريخ، وينسج خيوطا وهمية لسرديات لا تلتفت إلى الحقيقة بعينها ،ولا تلتفت للقيمة والأثر بقدر اهتمامها بالصدي والدوائر المفرغة والإثارة والانتشار المزيف!
(كيف تتسلل التحيزات إلى الخوارزميات؟)
إن الخوارزميات ليست كيانات مستقلة أو منزهة عن أهواء البشر، بل هي نتاج بيانات يُغذّيها بها مهندسون ومطورون ينتمون إلى بيئات جغرافية وثقافية محددة ـ غالباً ما تكون هيئات الشركات التكنولوجية الكبرى في الغرب.
وعندما تُدرَّب النماذج الرقمية على بيانات يغلب عليها الطابع الغربي أو "المهيمن"، فإنها تمتص كل التحيزات والافتراضات المسبقة الموجودة في تلك البيانات.
هذا يعني أن "الخوارزمية" تبدأ في رؤية العالم من منظار محدد، ثم تعيد إنتاج هذا المنظار للملايين حول العالم على أنه "الواقع الطبيعي". يظهر هذا التحيز في أدوات البحث، وأنظمة التعرف على الصور، ونماذج اللغات الضخمة، وحتى في خوارزميات اقتراح المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي.
(أبعاد الخطر على الهوية الثقافية والاجتماعية)
يري بعض المختصين أن "الخوارزميات" المتحيزة استعمار مستتر للعقول بلا جغرافيا،ومن صور تأثيراتها السلبية على الهوية والثقافة
ـ التنميط الثقافي وتشوية الصورة الذهنية: تعتمد الخوارزميات المتحيزة على اختزال الثقافات المتنوعة في أطر ضيقة وسرديات نمطية ،فعند البحث عن صور أو معلومات تخص شعوباً بعينها (كالشرق الأوسط، أو إفريقيا، أو المجتمعات السكانية الأصيلة)، كثيراً ما تُبرز "الخوارزميات" جوانب التخلف أو الصراع أو البدائية، بينما تُبرز المظاهر الحضارية والتقدم عند التفتيش عن الثقافات المهيمنة. وهذا النمط يُرسخ في أذهان أجيال جديدة صورة ذهنية مشوهة عن ذواتهم وعن الآخرين.
ـ فقاعات "الترشيح" وتفتيت الهوية الوطنية: تستهدف خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تعظيم التفاعل (Engagement) بأي ثمن، وغالباً ما يحصل ذلك عبر إبراز المحتوى المستقطب الذي يثير المشاعر القوية كالاستياء أو التعصب.
وتؤدي هذه الآلية إلى إدخال المستخدمين في "غرف صدى" تُعزز الانقسامات الاجتماعية والمذهبية والأيديولوجية داخل المجتمع الواحد، مما يفتت الهوية الوطنية الجامعة ويحل محلها هويات فرعية متصارعة.
ـ الهيمنة اللغوية واستبعاد التنوع: تُعطي "الخوارزميات" الرقمية أولوية قصوى للغات ذات المحتوى الضخم كالإنجليزية، بينما تُعامل اللغات الأخرى ـ أو اللهجات المحلية والمحتوى العربي المتخصص ـ
بدرجة أقل من الدقة والاهتمام.
يؤدي هذا "التهميش الخوارزمي" إلى إضعاف القدرة على الإنتاج الفكري باللغات الأم، ويجبر الأجيال الشابة على تبني لغة وأنماط التفكير الخاصة بالمنصات المهيمنة، مما يُشكل تهديداً مباشراً للسان العربي والهويات اللغوية المحلية.
ـ تنميط الجمال والأنماط المعيشية: من خلال "خوارزميات التجميل" والتوصية في منصات مثل "إنستجرام" و"تيك توك"، تُفرَض معايير جمالية وأسلوب حياة غربي واستهلاكي محدد كمعيار عالمي للنجاح والجاذبية. يترتب على ذلك اغتراب الأفراد عن بيئتهم الثقافية، والشعور بالدونية تجاه هويتهم وصورتهم الذهنية ومجتمعاتهم المحلية.
(آليات المواجهة والتحصين الثقافي)
إن مواجهة خطر الخوارزميات المتحيزة لا تعني دعوات للانغلاق أو مقاطعة التكنولوجيا، بل تتطلب معالجة إستراتيجية تتكامل فيها الجهود الوطنية والإقليمية عبر مجموعة من الإجراءات والآليات:
ـ بناء نماذج رقمية وبيانات محلية أصيلة: حيث يجب العمل على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي ومجموعات بيانات (Datasets) تمثل الثقافة والتاريخ والقيم العربية والإسلامية بدقة وصحة.
ـ تدريب الأنظمة الرقمية على التراث واللغة والمعارف المحلية هو الضمانة الوحيدة لمنع الخوارزميات من بناء تحيزاتها ضدنا.
ـ الاهتمام بتشريعات الحوكمة والأخلاقيات الرقمية: ينبغي للحكومات والمؤسسات الإقليمية فرض تشريعات على الشركات التكنولوجية العابرة للحدود تُلزمها بالشفافية الخوارزمية ومراجعة معايير النشر ومكافحة الانحياز الثقافي والديني، والالتزام بالقوانين والقيم الثقافية للشعوب التي تعمل فيها.
ـ تعزيز التربية الإعلامية والرقمية: حيث يجب بناء وعي لدى الأجيال الجديدة يُكسبهم تفكيراً نقدياً تجاه المحتوى الذي تفرضه الخوارزميات. ـ أن يعلم المستخدم أن ما يظهر على شاشته ليس بالضرورة الحقيقة الكاملة، بل هو "خيار "خوارزمي" محدد يهدف لإبقائه متصلاً بالمنصة.
ـ دعم إنتاج المحتوى الثقافي النوعي: ويأتي تدريجيا عن طريق سد الفراغ الرقمي بمحتوى مرئي ومكتوب عالي الجودة يُعبر عن الهوية الحقيقية، واستغلال التقنيات الحديثة لنشر القيمة الثقافية، ليصبح هناك وجود قوي وفعّال ومؤثر ينافس المحتوى المستورد.
إن الخوارزميات المتحيزة تمثل صياغة جديدة لما يمكن تسميته "الاستعمار الرقمي"، حيث لا تُحتل الأرض، بل تُحتل العقول وتُفرغ الهويات من مضمونها.
ولن تكون الوقاية من هذا الخطر الصامت إلا بالانتقال من موقع "المستهلك" المنفعل للتكنولوجيا إلى موقع "المبتكر" والموجه لها، لحماية الوعي وإبقاء الهوية الثقافية حية وفاعلة في الفضاء الرقمي.
# رسائل :
ـ "ليس في الإمكان أبدع مما كان" مقولة عبثية قتلت أجيالا،
وألجمت عقولا بالجمود والتخلف!.
ـ من يعرف سر "العقدة" يملك مفتاح "الحل"!.
ـ تصحيح المسار خير من الإصرار على الخطأ ،والسير في طريق الأشواك.