رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


المجرات ليست مجرد أرقام وأجرام معلقة أو سابحة في فضاء بعيد،.. ليست مجرد صور تلتقطها التلسكوبات ثم نضع بجوارها أرقامًا هائلة للمسافات والأحجام. كل مجرة، في الحقيقة، جزء من قصة أطول؛ قصة بدأت بالمادة، ثم مرت بالنجوم، وبالعناصر التي تكوّنت في أجيال متعاقبة منها، وانتهت ـ في مكان ما من هذا الكون ـ إلى كوكب ظهرت عليه الحياة، ثم إلى كائن حي استطاع أن يرفع عينيه إلى السماء، ويتساءل عن أصله وعن المكان الذي جاء منه.
وتأسرني السماء التي تأملتها طويلًا؛ من السماء بدأت الأسئلة، ومنها انتقلت إلى المجرات التي كشفها العلم، ثم إلى أصل المادة، ثم إلى الأرض والحياة، ثم إلى الإنسان الذي لم يكتف بأن يعيش تحت السماء، وإنما عاد يتأملها ويسألها.
ومن هنا نشأ السؤال الذي قادني، في النهاية، إلى القرآن:
ماذا يقول النص نفسه عن هذا الخلق الواسع؟
لم أصل إلى هذا السؤال لأنني أردت أن أجد في القرآن إجابة جاهزة عن اكتشاف علمي حديث، ولا لأنني أبحث عن آية أضعها بجوار حقيقة فلكية لأقول إن القرآن سبق العلم. الأمر بالنسبة إليّ أعمق من ذلك.
فكلما تأملت السماء طويلًا، شعرت أنني لا أنظر إلى مكان بعيد بقدر ما أنظر إلى بداية سؤال قديم في داخلي:
كيف بدأ كل هذا؟
وكيف انتهت هذه المادة الهائلة، التي نراها اليوم موزعة بين المجرات والنجوم والسدم والكواكب، إلى كوكب صغير ظهرت عليه الحياة، ثم ظهر عليه كائن يستطيع أن يرفع عينيه إلى السماء ويسأل عن أصله؟
ربما لهذا السبب لم يعد اتساع الكون بالنسبة إليّ مجرد حقيقة فلكية.
إنه جزء من قصة الحياة نفسها.
كان يكفي للإنسان، في زمن بعيد، أن يرفع عينيه إلى السماء ليرى عالمًا محدودًا بما تستطيع العين أن تدركه. نجوم متناثرة، وكواكب قليلة، وقمر يغير وجه الليل، وشريط أبيض غامض لم يكن يعرف أنه مجرة هائلة.
ثم جاء التلسكوب.
ولم يزد التلسكوب قدرتنا على الرؤية فحسب؛ لقد غيّر معنى السماء نفسها.
كلما ازدادت قدرتنا على النظر، اتسع العالم.
وما كنا نراه نقاطًا من الضوء أصبح نجومًا، وما حسبناه سحابة غامضة أصبح مجرة، وما ظنناه نهاية للكون ظهر وراءه المزيد من الكون.
ثم جاءت التلسكوبات الحديثة، وأدوات الرصد التي تستطيع التقاط ضوء خافت قطع مليارات السنين قبل أن يصل إلينا، فإذا بنا لا ننظر إلى المكان وحده، وإنما إلى الزمن أيضًا.
فالضوء القادم من الأجرام البعيدة لا يخبرنا فقط أين كانت تلك الأجرام؛ إنه يخبرنا كيف كانت في الماضي.
حين أنظر إلى جرم يبعد عنا مليارات السنين الضوئية، فأنا لا أراه كما هو الآن، بل أراه كما كان عندما غادره الضوء الذي وصل إلى أجهزتنا اليوم.
أصبح الضوء، بهذا المعنى، نوعًا من آلة الزمن الطبيعية.
وهكذا لم يعد الكون الذي نراه مجرد مساحة، وإنما أصبح تاريخًا مفتوحًا أمام أعيننا.
ماضٍ يصل إلينا الآن.
كلما اتسعت الرؤية، ظهرت حقيقة أخرى أكثر إثارة.
نحن لا نعيش في كون يحتوي على مجرتنا وحدها.
مجرة درب التبانة نفسها تضم عددًا هائلًا من النجوم، وربما مئات المليارات منها، وكثير من هذه النجوم أصبح معروفًا أنه قد يمتلك كواكب تدور حوله.
وخارج مجرتنا توجد مجرات أخرى لا يكاد الخيال يستوعب عددها.
وتشير بعض التقديرات العلمية إلى أن عدد المجرات في الكون المرصود، عند احتساب المجرات الخافتة والصغيرة التي يصعب رصدها مباشرة، قد يصل إلى نحو تريليوني مجرة، وإن كانت هذه الأرقام تقديرات تعتمد على طرق الرصد والنمذجة وليست عدًّا مباشرًا لكل مجرة موجودة.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أمر مهم:
الكون المرصود ليس بالضرورة كل الكون.
إنه الجزء الذي استطاع ضوؤه، أو معلوماته، أن يصل إلينا منذ نشأة الكون في حدود ما تسمح به سرعة الضوء وعمر الكون وتوسع الفضاء.
وليس عند هذا الأفق جدار مكتوب عليه: «هنا ينتهي الكون».
إنه أفق معرفتنا، أو أفق ما استطاع إلينا أن يصل من المعلومات.
وقد يكون الكون أبعد وأكبر مما نستطيع رصده، لكننا لا نملك حتى الآن وسيلة مباشرة لمعرفة امتداده الكلي.
وهذه الحقيقة وحدها تجعل كلمة «الكون» أكثر تواضعًا مما نتخيل حين نتحدث عن الأرقام.
فنحن لا نحصي كل ما هو موجود.
نحن نصف ما استطاع أن يصل إلينا.
لكن السؤال الذي شغلني لم يكن:
كم عدد المجرات؟
ولا:
كم عدد النجوم؟
كان السؤال شيئًا آخر.
هل يمكن أن تكون الحياة قد ظهرت في مكان آخر مثلما ظهرت في الأرض؟
فإذا كانت النجوم بهذا العدد، وإذا كانت الكواكب بهذا الانتشار، وإذا كانت المادة التي صنعت الأرض ليست مادة خاصة بكوكبنا، فما الذي يجعل الأرض استثناءً؟
لكن السؤال العلمي الحقيقي لا يسمح لنا بأن نقفز من الإمكان إلى النتيجة.
وجود كوكب لا يعني وجود حياة.
وجود الماء لا يعني وجود حياة.
وجود عناصر كربونية أو جزيئات عضوية لا يعني وجود حياة.
ووجود بيئة تبدو مناسبة للحياة لا يعني أن الحياة ظهرت بالفعل.
وهنا أصبحت كلمة صغيرة شديدة الأهمية في رحلتي كلها:
الإمكان ليس إثباتًا.
قد يكون الكون مليئًا بالكواكب، ومع ذلك تكون الحياة نادرة جدًا.
وقد تكون الحياة شائعة، لكن الحياة المعقدة نادرة.
وقد تكون الحياة المعقدة موجودة، لكن الحياة العاقلة القادرة على بناء حضارة تكنولوجية نادرة للغاية.
وقد تكون الحضارات التكنولوجية موجودة، لكنها لا تعيش طويلًا بما يكفي لتتواصل مع غيرها.
وقد تكون المسافات بين العوالم أكبر من أن تسمح باتصال عملي.
وقد توجد أشكال من الحياة لا تشبه الصورة التي كوّناها نحن عن الحياة أصلًا.
وقد نكون ببساطة أمام سؤال لم يصل العلم بعد إلى الأدوات اللازمة للإجابة عنه.
وهنا لا يكون قولنا «لا نعرف» ضعفًا.
بل يكون بداية المعرفة الحقيقية.
لقد نقل العلم سؤال الحياة خارج الأرض من منطقة التأمل المجرد إلى منطقة البحث.
اكتشفنا آلاف الكواكب خارج المجموعة الشمسية، وأصبحنا قادرين على دراسة أحجام بعضها ومداراتها وخصائص نجومها، ومحاولة معرفة تركيب أجوائها في الحالات التي تسمح فيها الأدوات بذلك.
وأصبح العلماء يبحثون عن البيئات التي يمكن أن تسمح بوجود الماء السائل، وعن الجزيئات العضوية، وعن إشارات كيميائية قد تكون ذات دلالة حيوية.
لكن كل ذلك لا يعني أننا وجدنا الحياة.
إنه يعني فقط أننا أصبحنا نملك وسائل أفضل للبحث عنها.
وهذا فرق لا ينبغي أن يضيع في الحماس.
فالعلم لم يثبت حتى الآن وجود حياة خارج الأرض إثباتًا مباشرًا حاسمًا.
لكنه، في الوقت نفسه، لم يغلق الباب.
بل على العكس؛ لقد جعل السؤال أكثر جدية.
لم يعد:
«هل يمكن أن توجد حياة في مكان آخر؟»
فحسب.
بل أصبح:
أين نبحث؟
وماذا نبحث؟
وكيف نميز بين أثر كيميائي عادي وبين بصمة حيوية؟
وما الشروط التي تجعل كوكبًا صالحًا للحياة؟
وهل يمكن للحياة أن تتخذ صورًا مختلفة عما نعرفه؟
قصة الحياة لم تعد محصورة في صفحات التاريخ الأرضي.
لقد بدأنا، للمرة الأولى، في البحث عن فصولها المحتملة في السماء.
وهنا أعود دائمًا إلى المادة نفسها.
فالكون لم يكن مجرد خلفية ظهرت فيها الحياة فجأة.
المادة التي تكوّن منها جسد الإنسان ليست مادة غريبة عن هذا الكون.
العناصر الموجودة في أجسادنا لها تاريخ كوني طويل.
الكربون والأكسجين والحديد وغيرها من العناصر الثقيلة ارتبط تكوينها بمراحل مختلفة من تاريخ النجوم والعمليات النووية الكونية؛ وبعض العناصر نشأ في النجوم، وبعضها في انفجاراتها أو في أحداث كونية شديدة الطاقة، وبعض العناصر الأثقل ارتبطت بأحداث مثل اندماجات النجوم النيوترونية.
ثم انتقلت هذه العناصر إلى الوسط بين النجمي، ودخلت في سحب من الغاز والغبار، ومن هذه المادة تشكلت أجيال جديدة من النجوم والكواكب.
ومن هنا نشأت الأرض.
وعلى الأرض ظهرت الكيمياء المعقدة.
ثم الحياة.
ثم التطور.
ثم الإنسان.
لذلك كلما فكرت في الأمر بدا لي أن المسافة بين المجرة والحياة أقل مما توحي به أعيننا.
ليس لأن المجرة تحتوي على حياة بالضرورة، وإنما لأن الحياة التي نعرفها نحن نفسها جزء من تاريخ المادة الكونية.
نحن لسنا غرباء عن هذا الكون.
نحن جزء منه.
ولكن حتى هذه العبارة، على جمالها، تحتاج إلى قدر من الحذر.
فكون الماء والعناصر والكواكب نتجت في تاريخ كوني طويل لا يعني أن الحياة كانت نتيجة حتمية لهذا التاريخ.
ولا يعني أن وجود الظروف المناسبة يؤدي تلقائيًا إلى نشوء الحياة.
ولا تزال كيفية نشوء الحياة الأولى على الأرض نفسها سؤالًا علميًا مفتوحًا في تفاصيله الأساسية.
إنها فجوة هائلة بين الكيمياء والحياة.
ولذلك لا ينبغي أن نملأ هذه الفجوة بالرغبات.
ومع ذلك، هناك صورة لا أستطيع تجاوزها.
الكون المبكر.
ثم النجوم الأولى.
ثم أجيال من النجوم.
ثم العناصر الأثقل.
ثم السحب الكونية.
ثم نجوم جديدة وكواكب.
ثم الأرض.
ثم الكيمياء المعقدة.
ثم الحياة.
ثم التطور.
ثم الإنسان.
ثم العقل الذي عاد إلى السماء.
إنها دائرة عجيبة.
فالكون أنتج النجوم، والنجوم أسهمت في إنتاج العناصر، والعناصر دخلت في تكوين الكواكب، وعلى كوكب واحد على الأقل نعرفه ظهرت الحياة، ثم تطورت الحياة حتى ظهر كائن قادر على دراسة النجوم التي تحمل تاريخ مادته.
المادة التي كانت يومًا غازًا وغبارًا منتشرًا في الكون، انتهت في مكان ما إلى عقل يستطيع أن يقول:
أنا أنظر إليك.
وهنا يصبح الإنسان صغيرًا جدًا من حيث المكان، لكنه يحمل في ذهنه شيئًا من اتساع الكون الذي جاء منه.
ومنذ أن نظر الإنسان إلى السماء، لم يكن يبحث عن النجوم وحدها.
كان يبحث عن نفسه.
في العصور القديمة، امتلأت السماء بالآلهة والأساطير والمصائر.
ثم جاء العلم، وتغيرت اللغة، وتغيرت الأدوات، وتغيرت طريقة النظر.
لكن السؤال الأساسي بقي بصورة أو بأخرى:
هل نحن وحدنا؟
هل الحياة التي نعرفها على الأرض صفحة وحيدة في كتاب الكون؟
أم أن هناك صفحات أخرى لا نعرف عنها شيئًا؟
وإذا كانت هناك حياة أخرى، فهل هي مجرد خلايا وكائنات بسيطة؟
أم أنها بلغت درجة من التعقيد؟
هل ظهر في مكان ما عقل آخر؟
هل ظهرت حضارة؟
هل جلس كائن آخر، في عالم بعيد، تحت سماء أخرى، ورفع رأسه هو أيضًا إلى النجوم متسائلًا إن كان وحده؟
لا أعرف.
والعلم لا يعرف.
لكن «لا نعرف» ليست نهاية الرحلة.
إنها النقطة التي يبدأ منها البحث الحقيقي.
وكلما تعمقت في السؤال، أدركت أن المسألة ليست مسألة مكان فقط.
إنها مسألة زمن أيضًا.
فقد تكون حياة ظهرت في مكان ما منذ مليارات السنين وانقرضت قبل أن نولد.
وقد تكون حياة ستظهر بعد مليارات السنين من الآن.
وقد تكون موجودة الآن، لكنها بعيدة إلى درجة أن الضوء نفسه يحتاج إلى ملايين أو مليارات السنين كي يحمل إلينا خبرها.
وقد تكون هناك عوالم قريبة نسبيًا، لكنها لا تحمل أي حياة.
وقد يكون الكون، على اتساعه كله، خاليًا إلا من الحياة التي نعرفها.
كل الاحتمالات مفتوحة ما لم يأتي الدليل.
وهذه هي الحدود التي ينبغي أن يلتزم بها البحث.
فالعلم لا يستطيع أن يقول:
«بما أن الكون واسع فلا بد أن تكون هناك حياة.»
كما لا يستطيع أن يقول:
«لم نعثر عليها حتى الآن، إذن لا توجد.»
الأول قفزة من الاحتمال إلى اليقين.
والثاني قفزة من غياب الدليل إلى دليل الغياب.
وبينهما مساحة واسعة اسمها:
البحث.
ومن هنا بدأ شيء آخر يحدث في داخلي.
لم يعد السؤال بالنسبة إليّ مجرد:
أين توجد الحياة؟
بل تحول إلى:
ما هذا الخلق الذي نبحث داخله عن الحياة؟
وهنا، تحديدًا، شعرت أنني لا أستطيع أن أواصل البحث في العلم وحده.
ليس لأن العلم قاصر، ولا لأنني أريد أن أضع القرآن في مواجهة العلم، وإنما لأن السؤال نفسه اتسع.
لقد بدأ كسؤال عن الحياة.
ثم أصبح سؤالًا عن الكون.
ثم عن المادة.
ثم عن الأرض.
ثم عن الإنسان.
ثم أصبح سؤالًا عن الخلق نفسه.
وهنا وجدتني أعود إلى القرآن.
ليس لأبحث عن مصطلح علمي حديث داخل آية.
وليس لأثبت أن القرآن سبق اكتشافًا فلكيًا.
وليس لأجعل العلم حاكمًا على النص، أو النص حاكمًا على العلم في مجاله.
وإنما أردت أن أسأل السؤال البسيط والصعب في الوقت نفسه:
ماذا يقول القرآن فعلًا عن هذا الكون؟
ماذا يقول عن خلق السماوات والأرض؟
ماذا يقول عن الحياة؟
ماذا يقول عن الكائنات التي بثها الله في هذا الخلق؟
وهل يترك النص نفسه مجالًا حقيقيًا لاحتمال أن تكون الحياة أوسع من الأرض؟
وهنا كان لا بد أن أغير طريقة البحث.
فأنا لا أريد أن أصل إلى نتيجة ثم أبحث لها عن آية.
لا أريد أن أبحث عن «إعجاز» لمجرد إثبات نتيجة وصلت إليها مسبقًا.
ولا أريد أن أجبر لفظًا قرآنيًا على أن يحمل معنى علميًا حديثًا لم يكن في دلالته الأصلية.
أريد أن أبدأ من النص نفسه.
من اللفظ.
من السياق.
من تركيب الجملة.
من العلاقة بين الآيات.
من طريقة القرآن في الحديث عن السماوات والأرض والحياة والخلق.
ثم أنتقل إلى ما قاله أهل اللغة والتفسير والتراث الإسلامي، وأضع أقوالهم في سياقها، وأميز بين ما هو صريح، وما هو قوي، وما هو محتمل، وما لا يصح أن نحمله على النص.
وبعد ذلك فقط أسأل:
ماذا يمكن للعلم الحديث أن يقول في ضوء هذه الدلالة؟
لا لكي يفرض العلم معنى على القرآن.
ولا لكي نبحث عن العلم داخل القرآن.
بل لكي نرى هل هناك توافق، أو مجال احتمال، أو مسافة ينبغي أن تبقى مسافة.
وهكذا بدأت الحفرية الثانية.
ثم الثالثة.
لم أعد أقرأ الآية منفردة.
أقرأ اللفظ داخل السياق.
وأقرأ السياق داخل السورة.
وأقرأ السورة في علاقتها بغيرها من الآيات.
ثم أنظر إلى التراث التفسيري والحديثي واللغوي.
ثم أضع النتيجة أمام العلم الحديث، لا بوصفه أداة لإثبات الوحي، وإنما بوصفه معرفة مستقلة تساعدنا على تقدير ما إذا كان الاحتمال الذي نراه في النص بعيدًا، أم ممكنًا، أم له ما يعضده من خارج النص.
وأبقي دائمًا الفاصل بين:
النص، والتفسير، والاستنتاج، والاحتمال.
فقد يقودنا النص إلى دلالة واضحة.
وقد يقودنا إلى دلالة قوية.
وقد يفتح احتمالًا.
وقد لا يعطينا شيئًا يمكن البناء عليه.
وفي كل الحالات يجب أن نحترم النص أكثر من رغبتنا في الوصول إلى نتيجة.
وهنا بدأت أعود إلى الكلمات نفسها.
السماوات.
الأرض.
سبع سماوات.
ومن الأرض مثلهن.
الدابة.
الماء.
البث.
الجمع.
الأقطار.
الأبواب.
الطرائق.
الآفاق.
الطباق.
«طبقًا عن طبق».
«من آياته».
«سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم».
كلمات تبدو، للوهلة الأولى، متفرقة.
لكن عندما تتجاور، يبدأ سؤال آخر في الظهور.
هل يتحدث القرآن عن السماء بوصفها سقفًا رمزيًا فقط؟
أم عن خلق واسع له طبقات وأقطار وطرائق وحدود لا نعرفها كلها؟
وإذا كان القرآن يقول:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾
فما دلالة قوله:
﴿فِيهِمَا﴾؟
وما دلالة:
﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾؟
وهل المقصود بالأرض وحدها، أم أن تركيب الآية يترك بابًا لفهم آخر؟
ثم ماذا يعني أن يأتي بعد ذلك:
﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾؟
هل الحديث عن مجرد تعداد للكائنات؟
أم أن الآية تفتح مشهدًا أوسع من ذلك؟
وما علاقة هذه الآية بقوله تعالى:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾؟
وما معنى «مثلهن»؟
هل هو تماثل في العدد فقط؟
أم أن العبارة تحتمل شيئًا آخر في بنية الخلق؟
وما علاقة ذلك كله بما نعرفه عن الكون اليوم؟
هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُجاب بالتمني.
ولا بمجرد التشابه اللفظي.
بل بالتنقيب.
لقد بدأت من السماء.
ثم قادتني السماء إلى المجرات.
وقادتني المجرات إلى تاريخ المادة.
وقادني تاريخ المادة إلى الأرض.
وقادتني الأرض إلى الحياة.
وقادتني الحياة إلى الإنسان.
ثم أعادني الإنسان مرة أخرى إلى السماء.
ومن السماء وجدتني أقف أمام القرآن وأسأل:
ماذا يقول القرآن فعلًا عن هذا الخلق الذي يبدو لنا اليوم أوسع بكثير مما كان يمكن للإنسان القديم أن يتصوره؟
هل يتحدث عن حياة في الأرض وحدها؟
هل يترك مجالًا لحياة في عوالم أخرى؟
هل تحمل عبارة «وما بث فيهما من دابة» دلالة يمكن أن تتسع لذلك؟
هل «سبع سماوات ومن الأرض مثلهن» مجرد عدد وبنية غيبية لا علاقة لها بهذا السؤال؟
أم أن في النص إشارات تستحق أن نعيد قراءتها دون أن نفرض عليها ما لم تقله؟
وهل يمكن أن تتقاطع بعض هذه الدلالات مع الصورة التي بدأ العلم الحديث يرسمها للكون؟
أم أننا نرى، أحيانًا، ما نريد أن نراه؟
هنا تحديدًا تصبح المسألة أكثر حساسية.
لأن البحث عن حياة خارج الأرض يمكن أن يتحول بسهولة إلى بحث عن تصديق لفكرة نحبها.
وأنا لا أريد ذلك.
أريد أن أترك النص يقول ما يقول.
وأترك العلم يقول ما وصل إليه.
ثم أنظر إلى المسافة بينهما.
قد تكون المسافة واسعة.
وقد تكون هناك نقاط التقاء.
وقد يظهر احتمال.
وقد لا يظهر شيء.
في كل حالة تبقى الحقيقة أهم من النتيجة التي تمنيتها.
لذلك فإن الرحلة التي بدأت من صورة مجرة بعيدة لم تعد بالنسبة إليّ رحلة في الفضاء وحده.
إنها رحلة في معنى الخلق.
منذ سنوات طويلة وأنا أعود إلى السؤال نفسه: هل نحن وحدنا في هذا الكون؟
لكنني اليوم أراه سؤالًا أكبر من مجرد البحث عن كائن آخر.
إنه سؤال عن موقع الحياة في الكون.
عن موقع الأرض.
عن أصل المادة التي صنعت أجسادنا.
عن الإنسان الذي بدأ حياته تحت السماء، ثم صنع التلسكوب، ثم وجهه إلى النجوم، ثم اكتشف أن الضوء الذي يراه يحمل إليه تاريخًا أقدم من وجوده نفسه.
وأصبح السؤال، في النهاية، كأنه خيط خفي يصل بين:
نجم بعيد،
وكوكب صغير،
ومادة مرت عبر أجيال من النجوم،
وحياة ظهرت على الأرض،
وكائن ما.. إنسان يجلس في ليلها ويرفع رأسه إلى السماء.
ربما لهذا أرى أن قصة الحياة ليست قصة منفصلة عن قصة الكون.
إنها، في جانب منها، قصة الكون نفسه.
لكن السؤال الذي بدأ من هناك لم ينتهِ.
بل فتح بابًا آخر.
بابًا يقود من السماء إلى النص.
ومن النص إلى اللغة.
ومن اللغة إلى التراث.
ومن التراث إلى الدلالة.
ومن الدلالة إلى الاحتمال.
ثم إلى العلم مرة أخرى.
وهنا تبدأ الرحلة الحقيقية.
ماذا يقول القرآن عن الخلق، وعن السماوات والأرض، وعن الحياة التي بثها الله فيهما؟

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة