رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

كما هى عادة الرئيس عبد الفتاح السيسى يقدم فى كل قمة رؤية مصرية شاملة وواضحة للقضايا الإقليمية والدولية، فالرئيس لا يترك فرصة التجمعات الكبرى دون أن يضع أمام قادة العالم التشخيص الدقيق لما يمر به العالم وإقليم الشرق الأوسط على وجه الخصوص ويقدم الحلول التى تراها مصر فاعلة وناجعة فى مواجهة التحديات.
وفى كلمته أمام قادة تجمع البريكس أمس بالعاصمة الهندية نيودلهى جاءت كلمة الرئيس شاملة واضحة قدم خلالها رؤيته للوضع العالمى حاليا والتى لخصها فى جملة معبرة «أن الأمن والتنمية مرتبطان بشكل وثيق» ، فلا تنمية بدون أمن ولا أمن بدون تنمية.
وهذا بالفعل هو جوهر الأزمات التى تواجه العالم وتحديدًا دول الجنوب وفى القلب منها اقليم الشرق الأوسط، الذى ما زال يبحث عن الاستقرار المفقود، بسبب الصراعات والحروب والتطورات السلبية المتوالية التى تلقى بتداعياتها الكارثية على الجميع، ليس فقط فى المنطقة بل على الاقتصاد العالمى من خلال تأثيرها على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، وهو ما تدفع ثمنه شعوب هذه الدول.
هذه الحقيقة التى قدمها الرئيس وتؤكدها الأحداث فى الشرق الأوسط لا تحتمل الصمت ولا المواقف السلبية لأن هذا يعنى مزيدًا من الخسائر والمخاطر المضاعفة على الدول النامية ودول الجنوب الأقلّ نموًا والأكثر فقرًا .
ولذلك كان الرئيس واضحًا عندما طالب بالتحرك الجماعى لمواجهة هذه التحديات بقوة وإرادة مشتركة لدول التجمع.
وهنا يمكن أن نرصد عددًا من الملاحظات المهمة فى كلمة الرئيس وكلها تؤكد الرؤية المصرية الصائبة لتجمع البريكس فى هذا الظرف العالمى الصعب ورغبتها الصادقة فى التعاون من أجل التنمية والمستقبل للجميع.
الملاحظة الأولى: أن الرئيس ركز بشكل كامل على الدور الاقتصادى والتنموى للبريكس وهذا يؤكد على رؤية مصر للتجمع وإنه آلية للتعاون الاقتصادى والتنموى، كما يؤكد أن الرئيس وضع يده على أصل المشكلة، فالاقتصاد هو ما تحتاجه الشعوب بشدة الآن بعدما أصبحوا يدركون أن الصراعات لا تنتج إلا الخراب والحروب لا تعنى سوى الدمار، ولذلك يأملون أن تتوقف هذه الحروب وتنتهى الصراعات، ويبحثوا عن الإنقاذ من خلال استبدال الحروب بالتعاون الاقتصادى والمشروعات المشتركة وخطط التنمية التى تحقق الامن الغذائى والمائى، وتعزز الإنتاج الذى يوفر مطالب البشر ويفتح الأبواب لسد الفجوات الاقتصادية الخانقة.
الجميع الآن يبحثون عن كل ما يخفف من وطأة الحروب الاقتصادية والتضخم العالمى.
ولهذا كان التركيز من الرئيس على الدور التنموى والاقتصادى الذى يمكن بل يجب أن تلعبه مجموعة البريكس توجها مهما وضروريا فى هذا التوقيت تحديدًا.
الثانية: أن الرئيس كان دقيقًا عندما وصف التجمع بأنه فرصة واعدة لتحقيق تطلعات شعوب الدول الأعضاء، فلم يكن هذا الوصف والرهان من الرئيس على التجمع من فراغ، وانما لأنه يرى فى بريكس فعلا قدرات كبيرة وإمكانات تؤهله للقيام بدور فاعل ومؤثر فى تحقيق منظومة اقتصادية أكثر عدلا وتوازنا تلبى كل هذه الطموحات وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً لشعوب الدول الاعضاء والذين يمثلون ما يقرب من 50 بالمائة من شعوب العالم.
الثالثة: أن الرئيس قدم رؤيته الشاملة لدور التجمع من منطلق أنه كما يقدر حجم التحديات وضخامتها يعرف أيضا قدرات وإمكانات دول التجمع إذا اتحدت إرادتها وتكاملت فيما بينها على أهداف واضحة.
ولذلك جاء تشديد الرئيس السيسى على ضرورة توظيف إمكانات دول التجمع لتنويع مصادر النمو، وبناء شراكات عملية، تحقق الطموحات المشروعة لها وتعزز العمل المشترك، بل وترجمته إلى أدوات تنفيذية وواقعية ، تخدم نحو 4 مليارات إنسان يمثلون شعوب دول البريكس.
الرابعة: أن الرئيس طالب بتقوية دور «بنك التنمية الجديد»، فى تعزيز الاستجابة للاحتياجات التمويلية للدول الأعضاء. من خلال رؤية 2031 وهذه قضية غاية فى الاهمية مع تزايد أعباء الديون على دول الجنوب الجنوب وفى القلب منها الدول أعضاء التجمع وهو ما يرهقها ويزيد الاعباء عليها ويعطل المشروعات التنموية بها ، ولا بديل لمواجهة هذا إلا تطوير أدوات تمويل مبتكرة وميسرة من خلال بنك التنمية الجديد.
الخامسة: أن هذه الرؤية التى طرحها الرئيس السيسى فى القمة إن تحققت ستكون كفيلة بأن تضع بريكس فى مكانة مختلفة وتعالج كثيرا من المشاكل التى تواجه الدول الأعضاء.
بالطبع شهدت السنوات الماضية العديد من خطوات البناء الجيد فى هذا الاتجاه بين دول البريكس، لكن المطلوب كما أكد الرئيس هو استكمال هذه الخطوات بقوة وسرعة وتطويرها بما يتناسب مع التحديات المتواصلة.
السادسة: أن الرئيس يعول على رئاسة الصين للبريكس فى تحقيق هذه الأهداف ومواصلة تطوير أجندته، وتعزيز الشراكة بين دوله، وهو رهان فى محله لأن الصين تمتلك القدرة على هذا بالفعل بما لديها من علاقات مع كافة الأطراف وقدرة على ترجمة الرؤى إلى أجندة تنفيذية فى الواقع.
السابعة: أن الرئيس لم يكتف بتشخيص الأوضاع أو طرح الرؤية بل قدم أمام القادة ايضا ما يمكن أن تحققه مصر فى سبيل دعم هذا الدور المهم للتجمع وتطوير التعاون بين الأعضاء بل وترجمة الإمكانات والقدرات إلى شراكات ملموسة، وهذا يعكس إيمان الرئيس بالدور المصرى كعضو مهم فى التجمع وما يمكن أن تقوم به نظرًا لامكاناتها ومكانتها سواء من خلال الإسهام فى دعم المشروعات المشتركة، أو تعزيز الشراكات، وكذلك الاستفادة من موقعها الإستراتيجى، لدعم التجارة والاستثمار، والربط بين إفريقيا وأوروبا وآسيا.
الثامنة: تأكيد الرئيس على تطلع مصر، إلى تولى رئاسة تجمع البريكس فى المستقبل القريب، يعكس رغبة واضحة فى مواصلة دورها فى دعم رؤية وأهداف البريكس من خلال العمل الوثيق مع الدول الأعضاء، وترجمة إمكاناتها وقدراتها إلى شراكات ملموسة، لتحقق المصالح المشتركة، من أجل بناء مستقبل أكثر ازدهاراً لشعوبنا.
التاسعة والأخيرة: أن هذا الطرح المصرى الذى قدمه الرئيس من منطلق المسئولية تجاه شعوب دول التجمع حظى باحترام وتقدير جميع الأعضاء والدليل إن إعلان نيودلهى الختامى للقمة تضمن الكثير من النقاط التى طالب بها الرئيس لتطوير دور البريكس خلال الفترة القادمة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة