تحولات العالم الجديد
تتجه أنظار العالم هذه الأيام إلى العاصمة الهندية نيودلهي، حيث تنعقد قمة مجموعة «بريكس» في دورتها الثامنة عشرة، بمشاركة قادة الدول الأعضاء، وسط تحولات متسارعة يشهدها النظام الدولي، وصعود متزايد لدول الجنوب العالمي، في ظل مساعٍ لإعادة رسم ملامح العلاقات الدولية وموازين القوى.
وتكتسب القمة أهمية خاصة في ظل اتساع دور «بريكس» على الساحة الدولية، وسعي دولها إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي، وزيادة حضورها في صياغة مستقبل النظام العالمي، في وقت لم تعد فيه مراكز القوة محصورة في قطب واحد.
وفي هذا المشهد، تكتسب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة أهمية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، خاصة أنها تأتي بالتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، وفي توقيت يشهد فيه العالم إعادة ترتيب لموازين القوى.
ومن هنا تصبح زيارة شي جين بينغ لمصر جديرة بالقراءة، ليس باعتبارها مجرد محطة في العلاقات بين البلدين، وإنما باعتبارها جزءًا من مشهد دولي أوسع، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، وتتزايد فيه أهمية العلاقات بين القوى الكبرى ودول الجنوب العالمي.
فالقاهرة وبكين لا تربطهما فقط علاقات اقتصادية وتجارية واستثمارات ومشروعات، وإنما يجمعهما أيضًا قدر من التفاهم السياسي حول عدد من القضايا الدولية، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وتبرز هنا قضية تايوان، باعتبارها واحدة من أهم القضايا التي تكشف طبيعة الموقف المصري من مبدأ «الصين الواحدة».
فالموقف المصري ليس وليد السنوات الأخيرة، وإنما يرتبط بجذور تاريخية تعود إلى إعلان القاهرة الصادر في الأول من ديسمبر عام 1943، خلال الحرب العالمية الثانية، والذي أكد إعادة الأراضي التي استولت عليها اليابان من الصين، ومن بينها فورموزا «تايوان» وجزر البسكادور، إلى الصين.
ومن اللافت أن القضية التي شهدت أحد فصولها المهمة في القاهرة قبل أكثر من ثمانية عقود، ما زالت حاضرة في المشهد الدولي حتى اليوم، بما يؤكد أن بعض القضايا لا تنتهي بانتهاء لحظتها التاريخية، وإنما تظل ممتدة في السياسة الدولية لعقود.
وبعد عقود من إعلان القاهرة، واصلت مصر تأكيد موقفها الرسمي الداعم لمبدأ «الصين الواحدة»، مؤكدة أن تايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية.
وهذا الموقف يعكس، في أحد جوانبه، تمسك القاهرة بمبادئ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وهي مبادئ تكتسب أهمية متزايدة في عالم يموج بالصراعات والأزمات ومحاولات إعادة تشكيل مناطق النفوذ.
ومن القاهرة إلى نيودلهي، تبدو الصورة أكثر وضوحًا؛ فمصر، التي أصبحت عضوًا في «بريكس»، تتحرك في مساحة دولية تتسع يومًا بعد يوم، مع تنامي دور القوى الصاعدة، وتزايد الحديث عن عالم متعدد مراكز القوة.
وهنا تكتسب العلاقات المصرية الصينية أهمية خاصة.
فمصر بالنسبة للصين ليست مجرد سوق عربية، وإنما دولة محورية في العالم العربي وأفريقيا، وتمتلك موقعًا استراتيجيًا يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، فضلًا عن قناة السويس التي تمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
وفي المقابل، تمثل الصين بالنسبة لمصر قوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى، وشريكًا مهمًا في مجالات الاستثمار والصناعة والبنية الأساسية ونقل التكنولوجيا.
لكن نجاح هذه الشراكة لن يقاس بعدد الاتفاقيات والبيانات، وإنما بما يتحول منها إلى مشروعات حقيقية واستثمارات وفرص عمل وزيادة في التجارة والصادرات ونقل للتكنولوجيا، بما يحقق مصالح الطرفين.
كما أن مصر، وهي توسع علاقاتها مع الصين ودول «بريكس»، لا تتحرك وفق منطق المحاور المغلقة، وإنما تسعى إلى تنويع شراكاتها الدولية والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الكبرى.
وهذه السياسة تمنح القاهرة مساحة أوسع للحركة في عالم تتغير فيه التحالفات وتتعدد فيه مراكز القوة، وتصبح فيه القدرة على بناء علاقات متوازنة إحدى أدوات حماية المصالح الوطنية.
لقد تغير العالم كثيرًا خلال العقود السبعة الماضية، وتغيرت معه موازين القوة وطبيعة العلاقات الدولية.
ومن ثم، فإن الاحتفال بمرور سبعين عامًا على العلاقات المصرية الصينية لا ينبغي أن يكون مجرد احتفال بالماضي، وإنما فرصة للنظر إلى المستقبل، وبحث كيفية الانتقال بهذه العلاقات إلى مرحلة أكثر اتساعًا وتأثيرًا.
فالسنوات المقبلة تحمل فرصًا كبيرة للتعاون في مجالات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاستثمار والتجارة، وهي مجالات يمكن أن تجعل الشراكة المصرية الصينية أكثر ارتباطًا باحتياجات التنمية ومستقبل الاقتصاد.
وفي عالم يعاد تشكيله، تبدو مصر أمام فرصة حقيقية لتعزيز مكانتها ودورها، من خلال سياسة تقوم على تنويع الشراكات، واحترام المصالح الوطنية، والانفتاح على مختلف مراكز القوة.
ومن القاهرة إلى بكين، ومن القاهرة إلى نيودلهي، تتقاطع المصالح وتتعدد الشراكات، بينما يكتب العالم فصلًا جديدًا من تاريخه.
ومصر، بما تمتلكه من موقع جغرافي وثقل سياسي ودور عربي وأفريقي، ليست بعيدة عن هذا التحول.. بل تملك من المقومات ما يؤهلها لأن تكون شريكًا فاعلًا في صياغة ملامح العالم الجديد،