معًا للمستقبل
حين نتحدث عن تاريخ «الجمهورية» فينبغي ألا نتوقف عند صفحاتها المطبوعة، ولا عند أسماء كبار الصحفيين الذين مروا بها فحسب ، وإنما علينا أن نتذكر أيضًا بعض الأفكار والمبادرات التي صنعت شخصية الجريدة، ورسخت دورها في المجتمع، وجعلتها أكثر من مجرد صحيفة.
ومن أبرز هذه المبادرات رحلة أوائل الثانوية العامة، التي بدأت «الجمهورية» تنظيمها منذ عام 1968، وكانت في جوهرها أعمق من مجرد رحلة لتكريم المتفوقين؛ فقد كانت استثمارًا مبكرًا وذكيًا في الإنسان، وصناعةً لقوة ناعمة مصرية عبر أجيال متعاقبة من النابهين.
كان الأوائل يخرجون من مصر ليروا العالم بأعينهم، ويزوروا عواصم ومدنًا أوروبية، ويتعرفوا إلى نظم التعليم والعمل، ويلمسوا عن قرب قيمة الانضباط واحترام القانون، ويزوروا المتاحف والمعالم الثقافية والتاريخية، ويلتقوا مسؤولين وشخصيات عامة. كانت الرحلة تفتح أمام الطالب نافذة واسعة على العالم، وتقول له عمليًا إن التفوق ليس نهاية الطريق، وإنما بدايته.
والأهم أن كثيرًا ممن حملوا لقب «أحد أوائل الجمهورية» في تلك الرحلات أصبحوا بعد ذلك أساتذة وأطباء وسفراء ومسؤولين وشخصيات مؤثرة في المجتمع. ومن العلامات الدالة على قيمة هذه التجربة أن الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية الحالي، كان يومًا واحدًا من أوائل الثانوية الذين شملتهم رحلة «الجمهورية» وكنت موجوداً فيها وشاهداً عليها عام 1983 ومعى الزميل الكبير أستاذ ناجي قمحة ضمن الوفد الصحفي المرافق للرحلة وقتها. وما رآه ذلك الطالب في أوروبا يومها لم يكن مجرد مشاهد عابرة، وإنما تجربة إنسانية وثقافية تبقى في الذاكرة، وربما تسهم في تشكيل رؤية الإنسان لوطنه والعالم من حوله.
وهنا تتضح قيمة رحلة الأوائل باعتبارها واحدة من صور القوة الناعمة التي صنعتها «الجمهورية» قبل أن يصبح مصطلح القوة الناعمة شائعًا في الخطاب السياسي والثقافي. فقد كانت الجريدة لا تكرّم المتفوقين فحسب، وإنما تمنحهم تجربة عالمية، وتبني في داخلهم طموحًا يتجاوز حدود المكان، وتربط التفوق العلمي بالانفتاح على العالم والثقافات والشعوب.
ولذلك فإن الحفاظ على هذه الرحلة وتطويرها ليس مجرد حفاظ على تقليد صحفي قديم، وإنما هو حفاظ على فكرة تستحق أن تعيش وتتجدد.
وللرحلة تاريخ طويل يستحق أن يُروى ويوثق. فقد كان الراحل الكبير إسماعيل الشافعي أحد أبرز من حملوا مسؤوليتها، ونظموها ودققوا في تفاصيلها، وحافظوا على مستواها وخصوصيتها. وكان إلى جانبه عدد من أبناء «الجمهورية» الذين بذلوا جهدًا كبيرًا لإنجاحها، ومنهم الراحل محمد حمودة، فضلًا عن الدعم الذي حظيت به من كبار قيادات المؤسسة، وفي مقدمتهم الكاتب الكبير محسن محمد والكاتب الكبير سمير رجب.
ويظل الزميل عبد الوهاب عدس واحدًا من أكثر أبناء «الجمهورية» ارتباطًا بهذه الرحلة؛ فقد عاصرها سنوات طويلة، وكان من أكثر من يعرف تفاصيلها وذكرياتها ومحطاتها وشخصياتها. ولذلك فإن توثيق تاريخ رحلة الأوائل في كتاب كبير يليق بها وبـ«الجمهورية» يظل عملًا مهمًا، ولعل عبد الوهاب عدس والزميلة نسرين صادق هما الأقدر على القيام بهذه المهمة، بما يحملانه من ذاكرة حية وشهادة مباشرة على جانب مهم من تاريخ المؤسسة.
وإذا كانت رحلة الأوائل إحدى العلامات التي انفردت بها «الجمهورية»، فإن هناك علامة أخرى لا تقل أهمية، هي «139 جمهورية» أو قسم الخدمات الصحفية المتميزة؛ الذي أشرفت عليه مع القديرة جمالات يونس، ذلك الخط الساخن الذي كان نموذجًا مبكرًا لما يعرف اليوم بصحافة المواطن، حين كان القارئ شريكًا في صناعة الخبر، يبلغ عن المشكلة أو الحادث أو القضية، فتتحول المعلومة إلى مادة صحفية تصل إلى المسؤولين والجهات المعنية.
كان «139 جمهورية» فكرة سبقت زمنها، واستطاعت «الجمهورية» من خلالها أن تكون أقرب إلى الناس، وأن تجعل الهاتف جسرًا بين المواطن والصحيفة والمسؤول، قبل أن يصبح الهاتف المحمول وتطبيقاته أدوات أساسية في صناعة الإعلام.
ومن المؤسف أن تفقد «الجمهورية» هذه التجربة دون مبرر واضح، في وقت أصبحت فيه المؤسسات الصحفية الكبرى تبحث عن أدوات تعيد بها بناء علاقتها بالجمهور. وكان الأولى تطوير الفكرة وتحديثها، لا التخلي عنها؛ لأن المؤسسات العريقة لا تحافظ على تاريخها بالحنين إليه، وإنما بتحويل أفكاره الناجحة إلى مشروعات أكثر حداثة وقدرة على الاستمرار.
وهاتان التجربتان ــ رحلة الأوائل و«139 جمهورية» ــ تكشفان شيئًا مهمًا في شخصية «الجمهورية»: أنها لم تكن مجرد صحيفة تنقل الأخبار، وإنما كانت في لحظات كثيرة تصنع الأفكار والمبادرات وتبني الجسور مع المجتمع وتستثمر في الإنسان.
ومن هنا تأتي أهمية أن تحظى رحلة الأوائل اليوم بمزيد من الدعم والعناية من المهندس عبد الصادق الشوربجي، رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، بما يتناسب مع تاريخها وقيمتها. ولعل تطوير الرحلة لتعود إلى أكثر من دولة أوروبية، كما كانت في مراحلها المزدهرة، وأن تستعيد برنامجها الثقافي والمعرفي الواسع، سيكون تكريمًا حقيقيًا للأوائل، وامتدادًا لتقليد صحفي عريق.
فإذا كانت «الجمهورية» قد احتفلت منذ عام 1968 بأوائل مصر، فإن مصر نفسها جنت ثمار هذا الاحتفاء على امتداد عقود.
ولعل أفضل شاهد على ذلك أن واحدًا ممن جلسوا يومًا بين هؤلاء الأوائل، وشاهدوا أوروبا من خلال رحلة «الجمهورية»، أصبح اليوم وزيرًا لخارجية مصر.
وهكذا تتحول الرحلة من مجرد ذكرى جميلة إلى دليل حي على أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الذي يبقى.
رحم الله إسماعيل الشافعي، ومحمد حمودة، وكل من أسهم في صناعة هذه التجربة، ورحم كبار «الجمهورية» الذين أدركوا مبكرًا أن تكريم المتفوق لا يكون بشهادة أو جائزة فقط، وإنما بمنحه فرصة ليرى العالم، ويتعلم، ويقارن، ويحلم.
ولعل «الجمهورية» اليوم، وهي تستعيد تاريخها وتبحث عن مستقبلها، لا تحتاج إلى أكثر من أن تؤمن مرة أخرى بالأفكار التي صنعت مجدها: أن تستثمر في الأوائل، وأن تستعيد صلتها بالناس، وأن تحوّل تاريخها إلى قوة للمستقبل، لا مجرد صفحات من الماضي.