رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

فرض قانون الزحام وجوده، فتملّك الغضبُ السائرَ والراكبَ، وكأن الطريق ضاق بالبشر قبل أن تضيق بهم السيارات. ولم تدّخر الشمس وسعًا في صبّ مزيد من الحرارة على الرؤوس والنفوس، حتى صار الاحتقان لغةً مشتركة، تتبادلها الوجوه قبل الكلمات.
وحين اصطدمت السيارتان، تملّك الغضب من الرجل الوقور، أو هكذا خِلته. لحظات قليلة، فقد شيئًا من حلمه وبهائه، وانفلتت من فمه كلمات تجاوزت حدود الغضب،
وفي عنفوان المشهد، كانت الصغيرة بين ذراعي والدتها، تطل من نافذة السيارة المقابله بوجهها الطفولي الجميل، تلوّح للرجل ضاحكة، لا تفهم لماذا يتعارك البشر، لحظة عابره،
انطفأت حدّة وجهه، وتراجعت الكلمات إلى حيث خرجت،

لم تكن الطفلة تعرف أنها أنقذته من نفسه؛ ابتسمت فقط، فابتسم لها، وكأن براءتها أعادته، إلى صورته الأولى قبل أن تثقلها الحياة بالغضب.

ربما لا نحتاج دائمًا إلى مواعظ طويلة كي نتعلم كيف نكون أكثر رحمة. أحيانًا تكفي ضحكة طفلة لتذكّرنا بأن كل هذا الغضب لا يستحق أن نخسر من أجله أجمل ما فينا.
فكم من مرة نحتاج إلى نافذة ووجه بريء، كي نرى أنفسنا من جديد؟
أن نعرف متى ننتصر على غضبنا. أعمق ما في الإنسان ليس قدرته على الرد، وإنما قدرته على أن يتراجع خطوةً واحدة، فيبقى إنسانًا.

تحركت السيارات من جديد، وانسحب المشهد وظل الرجل صامتًا، يتابع تلك الضحكة التي أخذت، دون أن تدري، شيئًا من غضبه.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة