رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الخط المفتوح


في خطوة تعكس حرص القيادة السياسية على الاستماع إلى مختلف الرؤى والأفكار، ومناقشة التحديات التي تواجه الدولة بقدر كبير من الصراحة والوضوح، تأتي فكرة المؤتمر الذي دعا إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في ذكري الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ، ليكون منصة للحوار وطرح المقترحات، وفي الوقت نفسه مناسبة لعرض ما تم إنجازه على أرض الواقع، بعيدًا عن الشعارات أو الاكتفاء بعرض الخطط المستقبلية.
وتكتسب مثل هذه المؤتمرات أهميتها من كونها تجمع بين تشخيص المشكلة والبحث عن الحل ومراجعة ما تحقق. فالدولة المصرية تواجه تحديات متشابكة، بعضها اقتصادي يرتبط بارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط الخارجية، وبعضها اجتماعي يتعلق بتحسين الخدمات ورفع مستوى حياة المواطنين، فضلًا عن تحديات الإنتاج والطاقة والأمن الغذائي والاستثمار وتوفير فرص العمل.
وقد أكدت التوجيهات الرئاسية للحكومة ضرورة العمل وفق خطط واضحة لكل وزارة، تتضمن المستهدفات والإجراءات والمدة الزمنية ومؤشرات قياس الأداء، بما يجعل المتابعة والتقييم جزءًا أساسيًا من العمل الحكومي.
وهنا تأتي أهمية المؤتمر، لأن المواطن لا يريد أن يسمع فقط عن مشروعات وخطط، وإنما يريد أن يعرف: ماذا تم إنجازه؟ وما الذي لم يتم؟ ولماذا؟ ومتى يكتمل؟ وهذه الأسئلة ليست انتقادًا للحكومة، وإنما حق أصيل للمجتمع في معرفة نتائج العمل العام.
ومن الملفات المهمة التي تستحق النقاش الاقتصاد الوطني، وزيادة الإنتاج، ودعم الصناعة، وتشجيع الاستثمار، وزيادة الصادرات، وتخفيف الأعباء عن المواطنين. وقد شهدت اجتماعات الرئاسة خلال الفترة الماضية تأكيدًا على مواصلة الإصلاحات المالية، ودعم القطاع الخاص، وتحفيز الإنتاج والتصنيع والتصدير، مع العمل على خفض المديونية وتحقيق الاستقرار المالي.
كما ينبغي أن يكون تحسين الخدمات العامة حاضرًا بقوة في أعمال المؤتمر، سواء في الصحة أو التعليم أو النقل أو الكهرباء أو مياه الشرب والصرف الصحي. فالمواطن يقيس نجاح السياسات الحكومية بما يلمسه في حياته اليومية، وليس بعدد البيانات والتقارير.
وفي هذا السياق، فإن عرض ما تم إنجازه يجب ألا يكون مجرد استعراض للأرقام، وإنما كشفًا واضحًا لنسب التنفيذ، وما تحقق من أهداف، وما واجهته المشروعات من عقبات. فحتى المشروعات المتأخرة يمكن أن تتحول إلى قصة نجاح إذا تم الاعتراف بأسباب التأخير ووضع حلول عملية وجداول زمنية واضحة لاستكمالها.
وتأتي مبادرة «حياة كريمة» نموذجًا مهمًا في هذا المجال، حيث تواصل الدولة تنفيذ مشروعات تستهدف تحسين مستوى الخدمات في القرى، مع الاستعداد للمرحلة الثانية التي تشمل قطاعات المياه والصرف الصحي والغاز الطبيعي والاتصالات والصحة والتعليم.
والأهم من ذلك أن يتحول المؤتمر من مناسبة عابرة إلى آلية دائمة للمتابعة والمساءلة الإيجابية، بحيث يتم تسجيل المقترحات الجادة، وتحديد الجهات المسؤولة عن دراستها، والإعلان لاحقًا عما تم الأخذ به منها وما تعذر تنفيذه وأسباب ذلك.
إن مصر اليوم في حاجة إلى حوار يجمع الخبرة الحكومية مع خبرات المتخصصين والمجتمع المدني وأصحاب الأعمال والشباب والمواطنين. والحوار الحقيقي لا يعني الاتفاق على كل شيء، وإنما يعني الاستماع إلى الرأي الآخر، ودراسة البدائل، والوصول إلى أفضل الحلول الممكنة.
ولذلك فإن مؤتمر الرئيس ينبغي أن يكون رسالة واضحة بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مزيد من العمل والإنجاز، ومزيد من المكاشفة أيضًا. فالدولة التي تعرض إنجازاتها بشجاعة، وتعترف بتحدياتها واخفاقاتها، وتستمع إلى المقترحات، وتتابع تنفيذ القرارات، هي دولة تفتح الطريق أمام مزيد من الثقة بينها وبين المواطن.
ويبقى النجاح الحقيقي للمؤتمر مرتبطًا بما سيأتي بعده، فالمهم ليس ما سيقال في القاعات، وإنما ما سيتحول إلى قرارات وإجراءات على أرض الواقع. فالمؤتمرات تنجح بالكلمات، لكن الدول تتقدم بالإنجاز.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة