في الجزء الأول من هذا المقال حاولت الإجابة عن سؤال: لماذا مصر؟
لكن السؤال الأكثر أهمية الآن هو: كيف يمكن أن تتحول العلاقة المصرية الصينية من شراكة ناجحة إلى شراكة أكثر توازنًا وعائدًا على البلدين؟
الإجابة تبدأ من الاعتراف بحقيقة أساسية: مصر والصين تحتاج كل منهما إلى الأخرى، ولكن لأسباب مختلفة.
ماذا تحتاج مصر من الصين؟
تحتاج مصر أولًا إلى رأس المال والاستثمار الصناعي، والتكنولوجيا والسوق الاستهلاكي الكبير.
تجاوزت الاستثمارات الصينية في مصر 10 مليارات دولار وفق تصريحات رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي في أغسطس 2026، وهو رقم يعكس تنامي الثقة الصينية في الاقتصاد المصري.
لكن المطلوب في المرحلة المقبلة ليس فقط زيادة الرقم، وإنما تغيير طبيعة الاستثمار.
فمصر تحتاج إلى شركات صينية تأتي لتصنع وتصدر، وتستخدم نسبة أكبر من المكونات المصرية، وتدرب العمالة المصرية، وتنقل المعرفة إلى الموردين المحليين. وهنا تبدو المنطقة الاقتصادية لقناة السويس واحدة من أهم أدوات مصر لتحقيق هذا الهدف.
وفي هذا السياق، برزت خلال الفترة الأخيرة خطط لإنشاء مجمع صناعي صيني متكامل باستثمارات تصل إلى ملياري دولار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مع استهداف دعم التصنيع وزيادة الصادرات، ومن المتوقع أن يوفر المشروع نحو 3000 فرصة عمل مباشرة.
وهذه النوعية من المشروعات هي التي يمكن أن تغير شكل العلاقة.
فبدلًا من أن يكون المصنع الصيني في مصر مجرد مصنع للسوق المصرية، يمكن أن يصبح مصنعًا لمصر وأفريقيا والعالم العربي، ولأسواق أخرى تتمتع مصر باتفاقيات تجارية معها وبإمكانية الوصول إليها.
ولا شك أن مصر تمتلك ورقة شديدة القوة؛ فالصين تنظر إلى أفريقيا باعتبارها إحدى أهم ساحات التعاون الاقتصادي في العقود المقبلة، ومصر هي الدولة العربية الأفريقية التي يمكنها أن تجمع في آن واحد بين موقعها الأفريقي وعلاقاتها العربية وموانئها وقناة السويس وشبكة اتفاقياتها التجارية.
وهذا يجعل مصر مرشحة لأن تكون منصة للصناعات الصينية المتجهة إلى أفريقيا ، وهذا يعني أن الشركة الصينية التي تنتج في مصر لا تحصل فقط على السوق المصرية، وإنما تستطيع الاستفادة من الموقع الجغرافي والبنية اللوجستية للوصول إلى أسواق أوسع.
وبالتالي يمكن لمصر أن تقدم للصين شيئًا أكبر من مجرد الحوافز الاستثمارية: أن تقدم لها موقعًا استراتيجيًا للإنتاج والتصدير.
وماذا تستفيد الصين؟
الصين من جانبها تستطيع أن تحقق مكاسب متعددة؛ أولها الوصول إلى الأسواق، وثانيها تقليل المسافات اللوجستية لبعض الصناعات الموجهة إلى المنطقة، وثالثها الاستفادة من العمالة المصرية والقرب من الأسواق، ورابعها تعزيز وجود الشركات الصينية في أفريقيا والشرق الأوسط من خلال قاعدة إنتاجية أكثر قربًا من هذه الأسواق، وخامسها تعميق حضورها في واحد من أهم الممرات التجارية في العالم ، (وهنا تأتي قناة السويس كعنصر حاسم).
فأهمية مصر بالنسبة للصين لا تتعلق فقط بعدد السكان أو حجم السوق، وإنما بموقعها على طريق التجارة بين آسيا وأوروبا، وبقدرتها على الربط بين البحرين الأحمر والمتوسط، وبين الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.
ومن ثم فإن الشراكة المصرية الصينية يمكن أن تتجاوز مفهوم «التجارة الثنائية» إلى مفهوم أوسع هو إعادة تشكيل سلاسل الإمداد والإنتاج.
وهنا ينبغي أن يكون نقل التكنولوجيا جزءًا أصيلًا من تكوين المشروعات واتفاقيات الاستثمار منذ البداية، بحيث لا يقتصر العائد على رأس المال وفرص العمل، وإنما يمتد إلى بناء قدرات مصرية مستدامة في التكنولوجيا والمعرفة.
والصين لديها الكثير الذي يمكن أن تقدمه في هذه المجالات، خصوصًا في السيارات الكهربائية، والطاقة الشمسية، والإلكترونيات، والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والمدن الذكية.
وفي المقابل، تمتلك مصر قاعدة بشرية كبيرة وموقعًا استراتيجيًا وسوقًا واسعة، وهي عناصر يمكن أن تجعل الاستثمار الصيني في مصر أكثر قدرة على التوسع الإقليمي.
وهنا يمكن أن تصبح المعادلة: تكنولوجيا صينية + موقع مصري + عمالة مصرية + أسواق عربية وأفريقية = قيمة مشتركة.
وهناك قضية أخرى لا ينبغي تجاهلها: الميزان التجاري، فقد بلغ حجم التجارة الثنائية بين مصر والصين نحو 19.52 مليار دولار في 2025، وهو مستوى يعكس أهمية الصين كشريك تجاري رئيسي لمصر، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا مصريًا مشروعًا: كيف تزيد مصر صادراتها إلى الصين؟
ولهذا فإن الإعلان الأخير عن توقيع 17 عقدًا تصديريًا بقيمة تقدر بنحو 168 مليون دولار إلى السوق الصينية مهم للغاية. وقد شملت العقود منتجات مثل الكتان وخيوط الغزل والجلود والنحاس والألومنيوم وقصب السكر والبرتقال، إلى جانب منتجات أخرى من القطاعات الزراعية والغذائية والهندسية ، ولابد من أن تستفيد مصر من المبادرة الصينية صفر جمارك.
الصين سوق هائلة للمنتجات الغذائية والزراعية المصرية، ولكن يمكن لمصر أن تستهدف أيضًا المنتجات المصنعة والدوائية والكيماوية والمنسوجات والملابس والمنتجات الهندسية والخدمات الرقمية، كلما توافرت القدرة التنافسية وشروط النفاذ إلى السوق.
وإذا نجحت مصر في زيادة صادراتها إلى الصين، فإن العلاقة ستنتقل من نموذج -الصين تستثمر وتصدر إلى مصر- إلى نموذج أكثر توازنًا: الصين تستثمر في مصر، ومصر تصدر إلى الصين، والشركات المصرية والصينية تنتج معًا لأسواق ثالثة.
وهذا هو النموذج الذي يستحق أن يكون عنوان العقد الثامن.
وهناك بعد آخر لا يقل أهمية عن الاقتصاد، وهو البعد السياسي فمصر دولة محورية في الشرق الأوسط، وتمتلك علاقات واسعة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، كما أنها عضو مؤثر في المنظمات والأطر متعددة الأطراف التي تنخرط فيها الصين.
وفي ظل الأزمات المتلاحقة في المنطقة، تصبح قدرة مصر على التواصل مع الأطراف المختلفة قيمة سياسية مهمة للصين.
وفي المقابل، تحتاج مصر إلى الصين باعتبارها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن وقوة دولية كبرى، وقوة اقتصادية وتكنولوجية متقدمة.
وهنا يمكن أن يصبح التنسيق السياسي بين القاهرة وبكين أكثر أهمية في قضايا السلام والأمن والتنمية وإصلاح النظام الدولي.
الذكاء الاصطناعي.. الفرصة التي يجب ألا نفوتها
إذا كانت السنوات الماضية قد ركزت على البنية التحتية والنقل والطاقة، فإن العقد الثامن يجب أن يفتح مجالًا أوسع للتعاون في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وهنا تستطيع مصر أن تستفيد من الخبرة الصينية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية والخدمات الرقمية والتصنيع الذكي، بينما تستطيع الشركات الصينية الاستفادة من السوق المصرية وقاعدة الشباب المتخصص في تكنولوجيا المعلومات، ومن موقع مصر كمركز إقليمي للخدمات الرقمية.
ولذلك يجب أن نتعامل مع العلاقات المصرية الصينية بعيدًا عن الصورة التقليدية التي تجعل طرفًا «يقدم» وطرفًا آخر «يستفيد».
تأتي زيارة الرئيس شي إلى القاهرة بعد عشر سنوات في الذكرى السبعين للعلاقات المصرية الصينية، لكنها في الوقت نفسه تأتي في لحظة مختلفة تمامًا عن عام 2016. فقد كان البلدان آنذاك يضعان الأساس لمشروعات كبيرة، أما اليوم فقد أصبحت هناك قاعدة فعلية من الاستثمارات والشركات والمشروعات والاتصالات السياسية.
ولهذا يجب أن يكون الهدف من الزيارة هو الانتقال من مرحلة بناء الثقة إلى مرحلة تعظيم العائد من الثقة.
وإذا نجحت مصر والصين في بناء هذه المعادلة، فإن العلاقات لن تكون مجرد نموذج للصداقة بين دولتين وحضارتين، بل نموذجًا عمليًا لما يمكن أن تفعله دول الجنوب العالمي عندما تتحول الشراكة من تبادل المصالح إلى صناعة المصالح المشتركة.
*عضو المجلس المصري للشئون الخارجية
خبير في الشئون الصينية والدولية