رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لحظة تمرد

بعد استقالة وزيرة الثقافة، تابعنا قيام البعض بترشيح بعض الأسماء لخوض معترك المسئولية، والبعض الآخر أوعز لآخرين كى يطرحوا اسمه، بينما وقف فريق ثالث يكتفى بالنقد والاعتراض دون أن يكلف نفسه عناء طرح البديل الثقافى وليس الشخصى أو تقديم رؤية قابلة للحياة مع واقع مأزوم!
بصفتى صحفياً ومحرراً ثقافياً لأكثر من 35 عاما، عاش يُقلب قضايا هذا الوسط ويعرف دروبه وأوجاعه، لماذا لا تتوجه بالسؤال المباشر للجميع: ماذا تفعل لو كنت وزيراً للثقافة؟.. ماذا تفعل لو أصبحت مسئولاً عن أكبر كنز حضارِي، ماذا تفعل لو أصبحت قائداً لقاطرة نهضة ثقافية ضخمة تحتاجها مصر الآن فى أعنف حروب اقتلاع الأوطان من جذورها، ماذا تفعل لو حاولت الإجابة أو التشبث بأسئلة الضمير وصراع الهوية؟
> حين وجدتُنى أرمى بأسئلتى «الكرة» فى ملعب الآخرين وأمارس مثلهم رفاهية التفرج فى المدرجات والتنظير وانتظار اجابات لن تأتي، قررتُ أن أكون أنا من يتلقى كرة «اللهب» بثقلها، وأن أحصر نفسى فى الزاوية ذاتها، وأنزل البحر وأسأل نفسي: وماذا تفعل لو كنت أنت وزيراً للثقافة؟!.. وماذا عساك فاعلاً؟
صمت وأمسكت ورقة وقلم رصاص، أشخبط وأنظر إلى البعيد، إنها ليست تجربة ذهنية للتباهي، بل نقاط للحوار الحقيقى بينى وبين نفسي، قبل أن يكون مع الأخرين، حوار يُفترض أن يدور بين كل مثقف ونفسه، وبين المثقف ورفيقه، وبين الجماعة الثقافية والدولة، وبين الدولة والجماعة الثقافية، وصولاً إلى الهدف النهائي، الحوار بين الشعب والدولة والجماعة الثقافية معاً.
> يأتى السؤال الأول ما الفلسفة الكبرى والرؤية الاقتصادية التى سترتكز عليها؟
نظرت للأفق، قلت لو كنتُ وزيراً لثقافة مصر، لكانت أولى مسلماتى أن التاريخ الإنسانى يُسجلها بمدى الوعى الذى يبنيه فى وجدان أبنائه، لا نهضة ولا تقدم تقترب من مجد الأجداد دون ثقافة وتعليم، فالتعليم يمنح الإنسان الأدوات، بينما تصوغ الثقافة المعنى والهدف والذوق.
> قلت لنفسي: هل تحاول «الفلفصة» من الأمر الصعب بهذا الطرح، وتريد أن تلقى الكرة فى ملاعب الأخرين حتى لا تتهم بالتقصير؟
> بثقة وجدتنى أقول: لا.. من يمتلك كل هذه الكنوز البشرية والثقافية والحضارية، لا يمكن ولا يجوز أن يكون فى مكان العوز أو الحاجة الاقتصادية!
نعم.. تجلس مصر على مناجم للثراء متجددة العطاء ولا تنضب من الثروات الإبداعية والبشرية، فالتراث والآثار والسينما والمسرح والموسيقى والفن التشكيلي، الخ ليست مجرد مجالات إبداعية، بل قطاعات اقتصادية عملاقة فيما يُعرف بـ«الاقتصاد الإبداعي».
ولتمويل هذا الإشعاع الثقافى دون إرهاق كاهل الخزانة العامة، يجب المطالبة باحتجاز جزء من عائدات الآثار للصرف على النشاط الثقافي، كما كان الحال قديماً حين كانت الآثار والثقافة يجمعهما حبل سرّى واحد، فالآثار منتج الثقافة المصرية عبر التاريخ، وعائدها يجب أن يغذى الثقافة الحية اليوم، والبحث عن مصادر حقيقية للتمويل حتى يتكامل الحاضر مع الماضى وننتقل إلى أفق المستقبل.
> قلت لنفسي: لا تغرق فى الأفكار النظرية، الحكومة والناس تريد خططاً عملية تنفذ على أرض الواقع!
قمت لإعداد فنجان من القهوة لالتقاط الأنفاس من السؤال المباغت وتبعاته، متشبثاً باليقظة حتى لا تفور القهوة!! ومستغرقاً فى التفكير من جهة ثانية لصياغة محاور النهضة الثقافية الميدانية المطلوبة مني!
وصلت لنقطة البداية.. الثقافة فى مفهومها الشامل ليست أدباً وقاعات مكيفة ومسارح ومتاحف مغلقة، الخ.. الثقافة الآن بمفهومها التقليدى ليست فى أولويات الناس فى ظل أزمات اقتصادية طاحنة، وعلينا من خلال الأدب والفن والمسرح والسينما والفن تشكيلى والفكر، علينا أن نجعل الثقافة للناس هى الحياة، تخفف عنهم الأزمة وتأخذ بيدهم للغد، ولتحقيق هذه النهضة، تتلخص خطتى التنفيذية فى محاور رئيسية:
تحويل قصور الثقافة فى المحافظات إلى جامعات شعبية، وليس إغلاقها.. المريض يعالج حتى يتعافي، ولا نطلق عليه رصاصة الرحمة.. الثقافة الجماهيرية هى رأس السهم.. يجب تحويل كل قصر وبيت ثقافة فى نجوع وقرى وعواصم محافظات مصر إلى جامعة شعبية، يعنى بؤرة إشعاع تنويرى باستغلال الإمكانات المحيطة من جامعات وأساتذة جامعات وأدباء ومفكرين وفنانين فى كل إقليم، والمحافظات غنية بهم.. والمهم والمطلوب هنا ليس انتظار الجمهور حتى يأتى إلينا ليجلس داخل القاعات، بل علينا النزول للناس فى الشوارع والميادين وعلى المقاهي، للأطفال فى المدارس، والشباب فى الجامعات، والعمال فى المصانع.
تنزل بالثقافة إلى أى مكان يتجمع فيه المواطنون، ولا ننتظر مجيئهم.. وكانت لى تجربة حقيقية فى مقهى ثقافى على أحد مقاهى السيدة زينب انتقلت به إلى العديد من الأحياء وبعض المحافظات قبل أن يتم قتلها.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة