نظرة
وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي في أحيان كثيرة ساحة مفتوحة للغضب والفضول والتشهير ونقل الشائعات والبحث عن أسرار الآخرين، حتى تحولت إلى وسيلة لإشعال الخلافات داخل المجتمع.
ولعل أخطر ما حدث أننا أطلقنا عليها وصف «وسائل الإعلام الاجتماعي»، وكأنها امتداد طبيعي للصحافة والإعلام المهني. وهذا خطأ في المفهوم؛ فهذه المنصات لم تُنشأ باعتبارها مؤسسات إعلامية، ولم تضع لنفسها قواعد العمل الصحفي من تحقق وتدقيق ومسؤولية مهنية، ومن أطلقها وطوّرها ويمتلك مفاتيح تشغيلها وإدارتها سماها «تواصلًا اجتماعيًا». و ليس اعلام اجتماعي
لكن الواقع يفرض سؤالًا: هل ما زالت تؤدي وظيفتها الأصلية في التواصل، أم تحولت إلى وسائل للغضب الاجتماعي؟
المشكلة ليست في التكنولوجيا، وإنما في طريقة استخدامها. فبدلًا من أن تكون السوشيال ميديا نافذة للمعرفة وتبادل الخبرات، تحولت لدى البعض إلى كاميرا مفتوحة على حياة الآخرين، وإلى وسيلة للبحث عن الخصوصيات، وتصوير الناس في مواقف عابرة، والتدخل في العلاقات الأسرية، ونشر صور قد تسيء إلى أصحابها وإلى المجتمع.
والأخطر من الصورة هو الكلمة. فكلمة واحدة قد تهدم علاقة أو تشوه سمعة أو تشعل خلافًا. ومنشور غير مسؤول قد ينتشر في دقائق، بينما يحتاج تصحيحه إلى وقت طويل، وربما لا يصل التصحيح أصلًا إلى نصف من شاهدوا المعلومة الأولى.
وهنا تظهر خطورة المعلومات المضللة والشائعات؛ فالبعض لا يسأل: «هل هذا الخبر صحيح؟» وإنما يسأل: «هل هو مثير؟». وكلما كان المحتوى أكثر صدمة وغضبًا وصدامًا، زادت فرص انتشاره.
وهكذا أصبح النقد في أحيان كثيرة وسيلة لزرع الكراهية واليأس بدلًا من أن يكون طريقًا للإصلاح. فليس كل نقد شجاعة، وليس كل هجوم جرأة، وليس كل صوت مرتفع دليلًا على امتلاك الحقيقة. النقد الحقيقي يضع يده على المشكلة ويقترح طريقًا للخروج منها.
واللافت أننا نرى اهتمامًا هائلًا بأخطاء الناس وحياتهم الخاصة، بينما لا نجد الاهتمام نفسه بمبادرات بناء الإنسان، وتعليم الرقمنة، ونشر ثقافة الذكاء الاصطناعي، وتشجيع العلم والبحث، ودعم أصحاب الخبرة والوعي. هناك من يعملون بالفعل من أجل المستقبل، لكنهم لا يحصلون دائمًا على المساحة نفسها التي يحصل عليها من يقف أمام كاميرا هاتفه ليصرخ أو يسخر أو يفضح الآخرين.
اوالمقارنة المستمرة بحياة الآخرين، والسعي وراء «الترند» بأي ثمن، وتحويل الحياة الخاصة إلى عرض يومي مفتوح للجميع. حتى إن البعض أصبح يعيش اللحظة من أجل تصويرها، لا من أجل الاستمتاع بها.
نحن لا نحتاج إلى إلغاء السوشيال ميديا، وإنما إلى إعادة تعريف علاقتنا بها. فالحرية لا تعني نشر كل ما نعرف، وامتلاك هاتف بكاميرا لا يعني امتلاك الحق في تصوير الآخرين، وحرية التعبير لا تعني حرية التشهير، والاختلاف لا يبرر الكراهية.
السوشيال ميديا يمكن أن تكون منصة للمعرفة والتعلم ودعم المبادرات واكتشاف المواهب، لكنها يمكن أيضًا أن تصبح ساحة للفوضى إذا غابت المسؤولية.
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه لم يعد: «كم مشاهدة حققت؟»، وإنما: «ماذا تركت هذه المشاهدة وراءها؟»
في زمن تصل فيه الكلمة إلى الملايين بضغطة زر، لم تعد المسؤولية اختيارًا... بل أصبحت ضرورة. والكلمة أمانة رب كلمة احييت أمة و نهضت و كلمة هدمت امة ومعلومة خاطئة او فكرة فاسدة اضلت أجيال