رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لحظة تمرد :

يجب ألا يكون هناك فجوة بين التشريع والواقع، وفلسفة القانون ترتكزعلى أن «القاعدة عامة ومجردة تُطبق على الجميع لمراعاة المصلحة العامة»...وعندما يصطدم القانون بالواقع الاجتماعي ويعمق مشاكله بدلا من حلها ، نكون خرجنا عن الهدف !
وعلى مدار عقود، لم ينشب جدل مجتمعي في مصر أعمق أو أشد تأثيراً من قوانين الأحوال الشخصية لأنه يقتحم اساس المجتمع من جذوره .. فالقانون الذي يُفترض أن يكون الملاذ الآمن للأسرة ونقطة الإتزان بين أطرافها، تحول في أعين الكثيرين إلى محرّك اساسي و إضافي للصراع بعد تقاطع التشريعات القانونية مع الدواعي الإنسانية والضغوط الاقتصادية!!
وبين رغبة المشرّع في حماية الطرف الأضعف، وهو المرأة ، كانت نتائج التطبيق - مع عوامل أخري طبعا - بمثابة اعصار يهدد اساس المجتمع، لذلك يثور السؤال: هل أدت التعديلات التشريعية المتعاقبة إلى استقرار البيت المصري، أم ساهمت في تصدعه؟
ويمناقشة بعض الجوانب تتضح عمق المشاكل :
• أولاً: مسكن الزوجية و("الشقة من حق الزوجة") ، هنا تحول حق الحماية إلى ساحة صراع..
طبعا الهدف الفلسفي من القانون في هذه الزاوية حماية الأطفال والأم الحاضنة من التشريد عقب الإنفصال، وضمان مأوى كريم للطفل كحق أصيل من حقوق الرعاية….وعندما صيغت المواد القانونية المنظمة لتمكين الزوجة الحاضنة من مسكن الزوجية، كان المقصد الإنساني جلياً ، غير أن هذا النص السامي تحول تدريجياً في أروقة الواقع والمحاكم إلى ورقة ضغط وسلاح فعال في النزاعات الزوجية.. كيف ؟
تحول مسكن الزوجية إلى هدف وغاية و أدى تمكين الحاضنة من المسكن طوال فترة الحضانة إلى إفتعال الأزمات للوصول إلى الطلاق للإستحواذ على الشقة، وأصبح العقار محل نزاع كيدي بدلاً من أن يكون سكناً.
واذا كان الهدف هو عدم تشريد الأطفال ، لكن لم ينظر القانون للزوج الذي افني عمره للحصول علي شقة وقد يكون مازال يدفع أقساطها شهريا ليطرد في الشارع ، في الوقت الذى تعيش فيها مطلقته بعد أن طلقها في شقته بحجة حضانة الاولاد !!
ويجد الزوج المُطلّق نفسه مكلفاً بتوفير مسكن جديد لنفسه، وفي الوقت ذاته سداد نفقات المسكن الأول أو توفير بديل مناسب للحاضنة،مع النفقات ومصاريف المدارس والعلاج .. الخ ، وهو عبء مالي يعجز عنه غالبية أبناء الطبقة المتوسطة، مما يدفع الأب إلى العجز المالي والاجتماعي، أو دخول السجن !!
وهنا يتطور الصراع الي مشاجرات يومية تعصف بالسلام النفسي للاطفال في المقدمة وبالحياة ذاتها والنتيجة التى نراها علي الجانب الآخر هي العزوف عن الزواج بعد تخوف الشباب من خسارة "تحويشة العمر" في حال حدوث أي خلاف والنتيجة تردد الشباب أو فرض شروط معقدة، مما غيّر الثقافة المجتمعية للزواج من "شراكة واستقرار" إلى "مخاطرة مالية وحقوقية".
وعلي جانب اخردفع الصراع علي الشقة المؤجرين للإحجام عن التأجير بعد ان وجد بعض المؤجرين انفسهم في مأزق تمكين المطلقة من شقة الزوجية " المؤجرة " بالقانون الجديد ، و يواجه المؤجر والزوج أزمات معقدة للوصول إلى صيغة لإخلاء العين بعد انتهاء مدة العقد، حيث تصطدم أحكام التمكين بإنهاء العقود المدنية.
ومما يزيد الطين بلة ان بعض الزوجات قبل طلاقهن يحصلن علي تمكين من النيابة من شقة الزوجية ولأن العلاقة قائمة يكون التمكين مزدوج للزوج والزوجة ، وتخيلوا شكل الصراع بين طرفين قد يصل للقتل والضرب والجرح ... يعني الخلافات الزوجية تطال عنان السماء ويصدر قرارتمكين الزوجين *مُجتمعين* من شغل مسكن الزوجية ، وطبعا يُنفذ هذا القرار بواسطة الشرطة ، تخيلوا كيف ستكون العلاقة بين أربع جدران ؟!
وإذا طلق الزوج زوجته يتحول التمكين المشترك لتمكين منفرد للزوجة ، وهنا تتفاقم الامور ، نعم الفلسفة هنا هو الحفاظ على الأمان النفسي والاجتماعي للطفل، بحيث لا يتأثر مستواه المعيشي أو بيئته السكنية بنزاعات الأبوين.
لكن هل الواقع هكذا سيوفر هذا الامان النفسي للأطفال، وكيف سيتعامل الزوج مع طليقته التي يشعر انها اخذت تحويشة العمر وتخرج له لسانها ؟!
تخيلوا بعض الأزواج يحول شقته التي وضع فيها تحويشة العمر الي اطلال حين يدرك أن طليقته ستنتزعها منه !
ورغم نبل المقصد القانوني، إلا أن التطبيق العملي أحدث خللاً كبيراً في التوازن الاجتماعي عندما يجد الرجل نفسه فجأة خارج بيته الذي استثمر فيه كل مدخرات حياته ، و بينما يتكبد مصاريف إضافية لاستئجار مسكن جديد لنفسه، بالإضافة إلى التزاماته المالية المتمثلة في نفقات الصغار، وأجر الحضانة، ونفقة المتعة والعدة.. الخ
ورغم وجود أوجه أخري للقانون ، وباستخدام الحيل القانونية يتم التمكين بحجة حضانة الأولاد، رغم تمتعها بمسكن لدى أسرتها، أو امتلاكها مسكناً آخر، مما يجعل استخدام الحق أقرب إلى النكاية والانتقام منه إلى الحاجة الحقيقية للسكن...والنتيجة عجز قطاعات واسعة من أبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة عن بناء حياة جديدة أو الزواج مرة أخرى، نتيجة انعدام القدرة المالية على شراء أو تأجير مسكن آخر.
المهم مع الثغرات وسوء استخدام الحق في التطبيق و البطء الإجرائي والممارسات الكيدية و طول أمد التقاضي يظل الزوج مطروداً من بيته ، والنتيجة صراع جسدي قد يصل الي القتل !!
نعم حماية الطفل وضمان نشأته في بيئة آمنة أمر لا جدال فيه، إلا أن تحقق هذه الحماية على حساب سلب الأب كامل أصوله المادية ودفعه نحو التشرد يعد اختلالاً في ميزان العدالة.
ويقوم الحل العادل لهذه القضية على ضرورة تعديل إجراءات التقاضي في قانون الأحوال الشخصية ، بإنهاء قضايا "المسكن البديل" و"أجر المسكن" في خلال أشهر معدودة ، وإيجاد معايير موضوعية لتحديد "مناسبة المسكن البديل" دون تركها للتأويلات الكيدية، والتوسع في تفعيل دور صندوق دعم الأسرة المصرية لتوفير البدائل السكنية للحاضنات دون تحميل الطرفين أعباء يفوق استطاعتهما.
فالهدف الأسمى للتشريع يجب أن يظل دائماً هو *إقامة العدل و التوازن ، فلا تُظلم حاضنة، ولا يُشرد أبن ، أو أب !!
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة