رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

رسالة


في يومها الأخير كمديرة للاستخبارات الوطنية الأمريكية، لم تنشغل تولسي جابارد بخطاب او احتفالية وداع، وقررت ان يكون الختام رفع السرية عن مئات الصفحات من المراسلات والوثائق الداخلية المتعلقة بأصل جائحة كوفيد-19، في قرار يحمل كلفة سياسية مباشرة عليها هي شخصياً، لا على خصومها.
فعل كهذا، من مسؤولة تغادر منصبها لا تسعى لموقع جديد داخل الإدارة نفسها، يمنح الكشف وزناً مختلفاً عن أي تسريب مجهول المصدر ينشر بلا مخاطرة على صاحبه
الوثائق تضمنت اتهامات مباشرة للدكتور أنتوني فاوتشي، المدير السابق للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، بأنه "وفّر ملايين الدولارات لتمويل أبحاث Gain of Function على فيروسات كورونا في معهد ووهان للفيروسات"، وأنه "عمل مع عناصر مسيسة داخل مجتمع الاستخبارات لإخفاء حقيقة دوره وأصل تسرب الفيروس من المختبر"، كما جاء بالوثائق أنه "أدلى بشهادة غير صحيحة أمام الكونجرس عام 2024" بشأن معرفته بهذه الأنشطة
وتشير إحدى الوثائق المفرج عنها إلى اجتماعات عقدت في فبراير 2020 بمشاركة فاوتشي وخبراء آخرين لمناقشة البيانات المطلوبة لتحديد منشأ الفيروس، كما تتضمن مراسلات أخرى نقاشات حول أبحاث الفيروسات في معهد ووهان وتمويلها، وهو ما قالت جابارد أنه يتعارض مع إفادات فاوتشي السابقة أمام الكونجرس
روايتها لا تقف على أرض افتراضية بحتة. فقد سبق لمحكمة فيدرالية أن حكمت في قضية ميزوري ضد بايدن بأن الحكومة الأمريكية ضغطت فعلياً على منصات التواصل الاجتماعي لقمع خطاب محمي دستورياً يتعلق بنظرية التسرب المخبري خلال الجائحة، وهو حكم أيدته محكمة الاستئناف جزئياً قبل أن تُسقطه المحكمة العليا لاحقاً لأسباب إجرائية تتعلق بالصفة القانونية للمدعين، لا لتفنيد الوقائع ذاتها. هذه سابقة قضائية مسجلة، لا رأياً صحفياً، تمنح رواية جابارد عن "تكتم مؤسسي" أساساً واقعياً حدث بالفعل في هذا الملف تحديدا
وليس هذا الجدل جديدًا. فقد سبق أن أشرنا في مقال "دمار المليار الذهبي" إلى الاتهامات التي وُجهت عبر السنوات للولايات المتحدة بشأن برامج وأبحاث بيولوجية، انطلاقًا من أن الأوبئة تُعد، في أدبيات الأمن القومي، من أخطر الأدوات القادرة على إحداث تأثيرات استراتيجية تتجاوز الخسائر البشرية إلى إرباك الاقتصادات وإضعاف الدول. فمنذ تفشي فيروس سارس عام 2002، وإنفلونزا الطيور 2003، وإنفلونزا الخنازير 2009، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية 2012، وصولًا إلى جائحة كوفيد-19 التي اجتاحت العالم في 2020، ظل منشأ الفيروسات وإدارة الأزمات الصحية محل جدل سياسي وعلمي واسع. وقدّرت منظمة الصحة العالمية أن الجائحة تسببت في نحو 15 مليون وفاة خلال عامي 2020 و2021، بزيادة تقارب 13% عن معدلات الوفيات المتوقعة
ويبقى سؤال آخر لا يقل إثارة: إذا كان الدكتور أنتوني فاوتشي يؤكد باستمرار أنه لم يرتكب أي مخالفة، فلماذا شمله الرئيس جو بايدن بعفو رئاسي استباقي عن أي جرائم اتحادية محتملة تعود إلى عام 2014؟ يرى مؤيدو بايدن أن الخطوة كانت لحمايته من ملاحقات سياسية محتملة، بينما يعتبرها خصومه دليلاً على وجود مخاوف قانونية تستحق الحماية. وفي الحالتين، أضاف العفو بعداً جديداً للجدل الذي أعادت وثائق جابارد إشعاله

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة