رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لحظة تمرد


حين يرحل الطيبون فى صمت وبدون ضجيج، يتألمون وحدهم ثم يموتون.. يغادرون بابتسامة، عتابا أم ترفعا، هو الزميل والصديق صلاح فضل الذى لم يتغير منذ عرفته عام 1987 فى «الجمهورية» ونحن نبدأ المشور.. خلطة النقاء، لم تتغير بالشوائب التى نغرق فيها.. شجن الصوت، مازال فى اذنى حين سمعته وهو يغنى يابيوت السويس يا بيوت مدينتي.. استشهد تحتك وتعيشى انتي» غناء المطرب محمد حمام الأسوانى الأصل بلدياته، كتبها عبد الرحمن الأبنودى من رحم حرب الاستنزاف ومعاناته مع أبناء السويس وهجرتهم من المدينة التى تعرضت للقصف.

«أستشهد والله وييجى التاني.. وأموت.. ويا صاحبى قوم خد مكاني.. دى بلدنا حالفة.. م تعيش غير حرة».

ليه كده يا صلاح تمشى بابتسامتك التى خلفت جبالا من الوجع من ختام الطيبين وصمة عار فى جبيننا جميعا حين تركناك تواجه مصيرك بمفردك لترحل بابتسامة الرضا.. لا تغضب أيها الإنسان والصحفى والرجل الذى امتلك خلطة إنسانية وثقافية شديدة الفرادة، وعاش حياته يوزع الطيبة والنقاء، ليدفع فى النهاية ضريبة هذه الطيبة ألما ووجعا ومعاناة فى صمت، وينتهى مشهد رحيله بنهاية تترك غصة حارقة فى حلق الجماعة الصحفية بأسرها.

الفسيفساء: النوبة واليسار والروحانيات

لم يكن صلاح فضل صحفياً عادياً، بل كان نتاج مزيج عبقرى من الهويات الثرية التى تعايشت داخل عائلته وجسدت روح مصر الحقيقية:

«هيلا هيلا يا بلدى اشمر درعاتك الدنيا أهّيه.. وإن ضاع العمر فى سوق المنية.. رفاقة ها نروح السوق نجيبه.. ونعود ونغنى ع السمسية.. ليكى يا مدينتى ياللى صمدتى».

شجن الصوت.. وعشق السويس

لم يكن صلاح يكتب بقلمه فقط، بل كان يترجم مشاعره نغماً شجياً يفيض بالدفء. كان يملك صوتاً جميلاً يحب زملاؤه الاستماع إليه وهو «يدندن» فى لحظات الصفا. وحين كان يشدو بأغنيته المفضلة:

«يا بيوت السويس.. يا بيوت مدينتى.. أستشهد أنا وتعيشى أنتِ».. كان يؤديها بصوت شجّى مفعم بالصدق، يعيد إلى الأذهان أداء المغنى النوبى الجميل محمدحمام وفرقة ولاد الأرض، أداءً يخرج من سويداء القلب لينبض بملحمة الصمود، ويسكب فى المكان حالة من الشجن الوطنى الخالص.

قفلت بيتي.. وسكيت دكاني.. ياشطى وبحري.. وشبكى وسفينتى.. يا بيوت السويس.. يا بيوت السويس.

صلاح فضل مثل نهر النيل الهادئ الوديع الذى يصب فيه الكثير ويتهادى انسانية وحضارة ويرمى ما لايعجبه فب البحر فى صمت.

النهر الذى صب فيه فيه الرافد النوبى: الذى منح شخصيته ذلك الهدوء المهيب، والصبر الجميل، والسمرة الطيبة التى تجعل صحراوات الألم تخضر بابتسامة.

النهر الذى صب فيه فيه الرافد السياسى اليسارى المصرى: حيث نشأ فى عائلة يغلفها الوعى بالعدالة الاجتماعية والانحياز للبسطاء والكادحين، فكانت السياسة والنضال حديث المجالس اليومية لعائلته ورموز العمل السياسى والحزبى منذ الخمسينات من القرن الماضى.

النهر الذى صب فيه فيه الرافد الدينى والروحى: الذى تعايش بتسامح شديد مع الفكر التقدمى للعائلة، فصهر شخصيته فى بوتقة من السكينة والرضا وقبول الآخر.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة