همس النيل
ربما لم يلتفت الكثيرون إلى حقيقة أن واحدة من أخطر النتائج التي ترتبت على الحرب الإسرائيلية الأمريكية في إيران وما صاحبها من توترات جيوسياسية في منطقة الخليج والشرق الأوسط أن عصراً جديداً قد بزغ في مجال الطاقة يتراجع فيه الوقود الأحفوري ويستأسد فيه الهيدروجين الأخضر والطاقة النظيفة .. فإن إغلاق مضيق هرمز وما صاحبه من عدم استقرار سلاسل التوريد والارتفاع الفلكي في أسعار البترول والغاز كلها عوامل فرضت على الدول إعادة التفكير في مصادر الطاقة ليبرز بوضوح أن الهيدروجين الأخضر هو الخيار الإستراتيجي لتعزيز أمن الطاقة في المستقبل وربما في السنوات القليلة القادمة.
والحقيقة التي قد لا يعرفها الكثيرون أن كل المنظمات الدولية المتخصصة في الهيدروجين الأخضر بالإجماع تؤكد أن مصر ربما تكون الدولة الأفضل في العالم لحمل راية الهيدروجين الأخضر لكل العالم.
... تؤكد المنظمات الدولية للهيدروجينية الخضراء أن مصر تمتلك كل المقومات اللازمة لقيادة العالم في هذا المجال ويرون أن الهيدروجين الأخضر هو بوابة مصر الكبرى لتعزيز مكانتها في سوق الطاقة العالمية.
ويؤكد الخبراء أن مصر تتصدر دول الشرق الأوسط وإفريقيا في عدد المشروعات الهيدروجينية.. وأنه من بين 82 مشروعاً عربياً في إنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء فإن مصر تمتلك 24 مشروعاً توفر 100 ألف فرصة عمل بالإضافة إلى إطلاق الإستراتيجية المصرية الوطنية للاستحواذ على 8 في المائة من السوق العالمي للهيدروجين الأخضر بما يهيئ الطريق لجذب استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات.. ويؤكد الخبراء أيضاً أن مصر تضم أكبر المشروعات العالمية في هذا المجال بالمنطقة الاقتصادية للقناة.. وأن الإمارات والسعودية والمغرب وسلطنة عمان الأقرب إلى مصر في ريادة هذا المجال.. وأنه بينما تتصدر كندا ثم موريتانيا ثم استراليا ثم أمريكا قائمة دول العالم فى صناعة الهيدروجين الأخضر فإن منطقة نيوم في السعودية تبدو كمشروع صاعد.
ويؤكد الخبراء حقيقة أن مصر تمتلك فرصة إستراتيجية حقيقية بفضل توافر طاقتي الشمس والرياح وإمكانيات تحلية المياه فضلاً عن موقعها الجغرافي شديد التميز والأهمية الإستراتيجية لقناة السويس كممر عالمي.
... وهناك عامل آخر في غاية الأهمية وهو أن مصر تمتلك خبرة قديمة مبكرة بدأت بين عامى 1956 و 1960 عندما تم تصنيع الهيدروجين الأخضر فى مصنع كيما بأسوان وكان أكبر مصانع الهيدروجين في العالم بقدرة 150 ميجاوات اعتماداً على الطاقة الكهرومائية المولدة من السد العالى.. واعتمد المصنع على تكنولوجيا التحليل الكهربائي فإن استخدام الغاز الطبيعي لم يكن قد بدأ بعد واستمرت هذه التكنولوجيا حتى عام 1977 باستبدالها بمصنع إنتاج الهيدروجين الرمادى ثم تطور الأمر لاستخدام الغاز الطبيعي في إنتاج الهيدروجين الأخضر للازم لإنتاج الأمورنيا وحمض النيتريك ونترات الأمونيوم وهى المواد اللازمة لإنتاج وصناعة الأسمدة في مصر.
... ويكشف تقرير نشره مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزر الوزراء استناداً إلى تقريب تقرير الوكالة الدولية للطاقة أن عام 2026 يمثل عاماً تاريخياً لتحول الطاقة فإن أزمة الشرق الأوسط قد أعادت رسم خريطة الطاقة العالمية وأن التحول الآن ليس مجرد تطور تاريخى بل إعادة تشكيل كاملة للتحول الطاقى فإن التوترات الجيوسياسية كشفت عن هشاشة النظام التقليدي للطاقة الذي يعتمد على الوقود الأحفوري. ولم يعد خياراً الهيدروجين له الأخضر مطروحاً كتوجه بيئي وإنما أصبح إستراتيجية صناعية واقتصادية تتنافس فيها الدول. ويؤكد الخبراء أن المنافسة تشتد الآن بين أمريكا وأوروبا والصين ودول الخليج حول تقاسم كعكة التجارة الدولية في صناعة الهيدروجين الأخضر .. بل إن أمريكا وهي التي بدأت تعيد النظر في الكثير من مشروعاتها توفيراً للنفقات فإنها على الجانب الآخر أبقت على 5 مليارات دولار اعتماداً لتمويل مشروعات الهيدروجين الأخضر.. بل إن أمريكا تراه الآن جزءاً من معادلة الأمن القومى الأمريكي والطاقة عالمياً.
.. وبعد..
فإن مصر وهي تملك الكثير من أوراق قيادة العالم في هذا المجال فإن أمامنا عدداً من التحديات بعضها يتعلق بسرعة التحرك لترجمة خطابات النوايا إلى مشروعات على الأرض وتوطين تكنولوجيا الهيدروجين الأخضر وتطوير البنى التحتية المرتبطة بها وكذا بناء الصناعات الملازمة لإنتاجه وتطوير حلول منخفضة التكاليف الإنتاج الهيدروجين الأخضر ونقله وتخزينه فإن واحدة من أهم ميزات الهيدروجين الأخضر هي قابليته للنقل والتخزين وأن إنتاجه ليس مقيداً بمناطق محددة كالوقود الأحفوري في النفط والغاز لأنه يتم تصنيعه وليس استخراجه فضلاً عن أن الهيدروجين الأخضر ينقل الطاقة بعيداً عن دائرة التمركز الجغرافي التقليدي إلى ساحة دولية أوسع وأرحب وأكثر تنوعاً وانتشاراً وتوازناً. ولا بد هنا من خارطة طريق مصرية ترسم طرق التمويل والتقنيات وبناء القدرات البشرية بالتعاون الكامل بين المؤسسات العلمية والأكاديمية والحكومة والمستثمرين في المجال لتحقيق أفضل النتائج وتحصل مصر على مكانها تحت الشمس في سوق الهيدروجين الأخضر العالمي.
... وتبقى حقيقة أن نجاح مصر في هذا الطريق مرهون بتوسيع التعاون الدولى وفتح منافذ للتصدير وقد نجحت بالفعل إحدى الشركات المنتجة للهيدروجين الأخضر في إبرام عقدين لتصدير إنتاجها .. ويبقى خفض تكلفة الإنتاج تحديا أساسيا مع تطوير البنية التحتية اللازمة لنقل الطاقة.
... حقيقة أخرى وهي أن مصر نجحت في موانئها باستخدامه للمرة الأولى فى تموين السفن بما يؤكد قدرة مصر على تحدى كل الصعاب لتحقيق الهدف الذي نسعى إليه وأن تحصل مصر على مكانها تحت الشمس إنتاجاً وتصديراً للهيدروجين الأخضر ومركزاً عالميا لتجارة وتصدير الطاقة . والمهم أن تنشأ مجموعة عمل تراجع ما تم من مذكرات واتفاقيات لتفعيلها جميعها وتذليل العقبات والصعوبات إن وجدت مع بيئة تشريعية مثالية تجذب استثمارات العالم إلى أم الدنيا.