أقول لكم
على وقع أزيز الطائرات المسيرة والحربية وتفجيرات القنابل والصواريخ والمدافع، انتهت الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران التي تحدث لأول مرة في تاريخ الصراع بين الدولتين وجهاً لوجه، في منتجع «بورجنستوك» بسويسرا، بعد أيام فقط من توقيع مذكرة التفاهم بوقف النار بين الجانبين، بحضور وساطة قطرية وباكستانية، وتضمنت هذه الجولة مباحثات مكثفة استمرت ساعات وشهدت انسحاباً للوفد الإيراني إثرتهديدات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بفرض رسوم على مضيق هرمز في حال فشلت المفاوضات، قبل أن يعود الطرفان إلى الطاولة، تركزت المفاوضات حول تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، وآليات منع تجدد القتال وضمان وقف إطلاق النار في لبنان، إضافة إلى إعادة مضيق هرمز للعمل مجدداً وإجراءات بناء الثقة بين الدولتين، تمهيداً لطرح الملف النووي الإيراني للنقاش بشكل أعمق للتوصل إلى حل، في حين تحقق تقدم كبيروانتزاعت إيران مكاسب تشمل إعفاءات لتصديرالنفط الإيراني، والإفراج عن أصول مجمدة، ورفع الحصار، وأعلن الوسطاء عن التوصل لخريطة طريق للاتفاق النهائي مدتها 60 يوماً، في حين غادرالوفد الإيراني المفاوض عائداً إلى طهران، على أن تستمر المشاورات عبر الفرق الفنية وفقاً للوسطاء، وجرت المناقشات في جوٍّ إيجابي وبنّاء، وأسفرت عن تقدّم مُشجّع، وفق مشاركين في المفاوضات رغم تهديدات ترامب، وشمل الاتفاق على خارطة طريق للتوصل إلى اتفاق نهائي للسلام خلال 60 يوماً وتشكيل لجنة رفيعة المستوى للإشراف السياسي، وبدء جولة جديدة من المحادثات الفنية.
تشهد المفاوضات الأميركية الإيرانية حراكاً دبلوماسياً مكثفاً تديره أطرافاً وسيطة في مقدمتها باكستان وقطرومصر، لإنهاء التصعيد الإقليمي، ويواجه هذا المسار تحديات تتمثل في تباين المواقف حول التفتيش النووي، وتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإنهاء المحادثات في حال فرضت طهران رسوماً في مضيق هرمز، إذ اتفق المفاوضون على إنشاء 4 مجموعات عمل، إلى جانب لجنة الإشراف السياسي تضم الوسطاء، وفي مقدمتهم قطروباكستان، بهدف التعامل مع الأزمات الطارئة التي قد تنشأ خلال المفاوضات، ومهمتها احتواء أي تصعيد سياسي أو إعلامي قد يهدد التقدم المحرز في المحادثات، واستمرار الالتزام بوقف الأعمال العدائية، وضمان استمرار التواصل بين الوفود حتى في أوقات التوتر، أطلق على المجموعة الأولى مجموعة العقوبات، والثانية الملف النووي، والثالثة إعادة الإعماروالتنمية الاقتصادية، والأخيرة مجموعة المراقبة والتنفيذ، وتتولى الأولى بحث العقوبات المفروضة على إيران وآليات التعامل معها، فيما تُعنى الثانية بالملف النووي والقضايا الفنية المرتبطة به، وتركز المجموعة الثالثة على إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية من خلال صندوق الاستثمار المزمع إنشاؤه لضخ 300 مليار دولار في إيران، بينما تتولى المجموعة الرابعة ملفات المراقبة والتنفيذ، لضمان تطبيق ما قد يتوصل إليه الجانبان من تفاهمات، ومن المنتظرأن تعمل المجموعات الأربع بصورة متوازية، على أن ترفع تقارير دورية إلى لجنة الإشراف السياسي بشأن ما تحرزه من تقدم والعقبات التي تواجهها، وتعقد هذه المجموعات اجتماعات متوازية على أن ترفع تقارير دورية إلى لجنة الإشراف السياسي، لتنفيذ خطوات بناء ثقة أولية، خاصة في الاقتصاد والنفط، وصياغة مسودة اتفاق نهائي خلال مهلة تقارب 60 يوماً، وأخيراً انتقال الملف إلى المستوى السياسي لاعتماد الاتفاق أو تعديل بنوده.
تعتبر هذه المجموعات ثمرة اجتماع بحيرة لوسيرن، الذي عقد في فندق بورجنشتوك في سويسرا، حيث التقطت الصور التذكارية لوفود إيران وأمريكا وقطر وباكستان، وترأس الوفد الإيراني المفاوض محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، بينما ترأس الوفد الأمريكي جيه دي فانس، نائب الرئيس ترامب، كما ترأس كل من شهباز شريف، رئيس وزراء باكستان، وعاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، والشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رئيس وزراء قطر ووزيرخارجيتها، وفدين من باكستان وقطر كوسطاء بهذه المفاوضات، ورفض الوفد الإيراني التقاط الصورمع الوفد الأمريكي، وحققت إيران عدداً من المكاسب سريعاً، إذ وافق الوفد الأمريكي على رفع العقوبات المفروضة على تصديرالنفط الإيراني، والإفراج عن بعض أصولها المجمدة في الخارج، و إطلاق خطة شاملة لإعادة إعمار وتنمية إيران بـ 300 مليار دولار استثمارات من الخليج في حال إلتزام إيران ببنود الاتفاق، كما وافقت واشنطن وإيران على تشكيل لجنة رفيعة المستوى للإشراف السياسي على الوساطة، التي ستقود مجموعات تُعنى بالقضايا النووية والعقوبات، وغيرها من الوسائل لتنفيذ الاتفاق الأمريكي الإيراني، ويعتبر التقدم الذي تم إحرازه جيد وهي نتيجة مفاجئة بعد فترة طويلة من عدم اليقين بين الطرفين.
تركزت المحادثات على آليات تنفيذ مذكرة التفاهم والملفات العالقة بين الجانبين، إضافة إلى قضايا إقليمية تشمل التهدئة في لبنان وأمن الملاحة في مضيق هرمز، وشهدت المحادثات توتراً أدى إلى توقفها بعد أن هدد ترامب باستئناف قصف إيران والسيطرة على مضيق هرمز، قائلاً: «إذا لم يتوصلوا إلى اتفاق، فسوف نفرض رسوماً، ما أدى لانسحاب الوفد الإبراني»، وتالياً ارتفاع أسعار النفط، وتتناقض هذه التصريحات مع إصرار الرئيس الأمريكي على عدم السماح لإيران بذلك، إذ أعلن أن الاتفاق الأمريكي الإيراني سيضمن أن يكون المضيق مجانياً بشكل دائم، لكن بعد انتهاء المحادثات في سويسرا أعلنت قطر وباكستان، أن إيران والولايات المتحدة قد أنشأتا "خط اتصال" لمضيق هرمز، ما زاد الآمال في استقرارهذا الممر الحيوي لتجارة النفط، لتجنب الحوادث وسوء الفهم، بهدف ضمان مرورآمن للسفن التجارية خلال فترة الستين يوماً المحددة في الاتفاق الأمريكي الإيراني.
أعلنت الولايات المتحدة نص مذكرة التفاهم المبرمة بينها وإيران لأول مرة، حيث تعلن الولايات المتحدة وإيران وحلفاؤهما في الحرب الحالية، في البند الأول من خلال توقيع هذه المذكرة، الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وتتعهدان من الآن فصاعداً بعدم الشروع في أي حرب أو عملية عسكرية ضد بعضهما البعض، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد الطرف الآخر، وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته، ويؤكد الاتفاق النهائي الإنهاء الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، إلى جانب الأحكام الأخرى الواردة في هذه الفقرة، وتتعهد الولايات المتحدة وإيران في البند الثاني باحترام سيادة كل منهما ووحدة أراضيه، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر، كما تلتزم الولايات المتحدة وإيران بالتفاوض والتوصل إلى اتفاق نهائي خلال مدة أقصاها 60 يوماً، قابلة للتمديد بموافقة متبادلة، ورابعاً فورتوقيع هذه المذكرة، تبدأ الولايات المتحدة برفع حصارها البحري وأي إجراءات أو عوائق تفرضها على إيران، وستنهي الحصار البحري بالكامل خلال 30 يوماً، وخلال هذه الفترة، ستتم إعادة حركة الملاحة البحرية تدريجياً إلى مستويات ما قبل الحرب من قبل إيران، كما تتعهد الولايات المتحدة بسحب قواتها من محيط إيران خلال 30 يوماً من إبرام الاتفاق النهائي، وخامساً عند توقيع هذه المذكرة، ستبذل إيران قصارى جهدها لضمان المرورالآمن للسفن التجارية، من دون أي رسوم ولمدة 60 يوماً فقط، بين الخليج العربي وبحر عُمان وبالعكس، على أن تبدأ حركة السفن التجارية فوراً، وتُستكمل بالكامل خلال 30 يوماً، مع الأخذ في الاعتبار الحاجة إلى إزالة العوائق التقنية والعسكرية وعمليات إزالة الألغام التي ستنفذها إيران، كما تجري إيران حواراً مع سلطنة عُمان لتحديد آليات الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول المطلة الأخرى على الخليج العربي، وبما يتوافق مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول الساحلية المطلة على المضيق، وسادساً تتعهد الولايات المتحدة، بالتعاون مع شركائها الإقليميين، بوضع خطة نهائية ومتفق عليها لإعادة إعمار إيران وتنميتها اقتصادياً، بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، وسيتم استكمال آلية تنفيذ هذه الخطة ضمن الاتفاق النهائي خلال 60 يوماً، كما ستمنح الولايات المتحدة جميع التراخيص والاستثناءات والأذونات اللازمة لإتمام المعاملات المالية ذات الصلة.
أكد البند السابع أن الولايات المتحدة تتعهد بإنهاء جميع أنواع العقوبات المفروضة على إيران، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وقرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجميع العقوبات الأميركية الأحادية، الأولية والثانوية، وفق جدول زمني متفق عليه ضمن الاتفاق النهائي، وتقر إيران والولايات المتحدة بالأهمية الجوهرية لقضية رفع العقوبات المذكورة أعلاه، وتعربان عن نيتهما معالجة هذه القضايا فوراً خلال المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق متبادل بشأنها، فيما حمل البند الثامن تعهداً مهماً تؤكد إيران من خلاله مجدداً أنها لن تسعى إلى حيازة أو تطوير أسلحة نووية، واتفقت الولايات المتحدة وإيران على معالجة مسألة المواد المخصبة المخزنة وفق آلية يتم الاتفاق عليها بشكل متبادل، ووفق الجدول الزمني المشار إليه في الفقرة السابعة، على أن يكون الحد الأدنى للإجراء هو تخفيض نسبة التخصيب داخل المواقع النووية وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما اتفق الطرفان على مناقشة قضية التخصيب وغيرها من القضايا المتفق عليها والمتعلقة بالاحتياجات النووية الإيرانية، استناداً إلى إطار مرضٍ يتم الاتفاق عليه ضمن الاتفاق النهائي. وسيؤكد الاتفاق النهائي أحكام هذه الفقرة، كما يقر الطرفان بالأهمية البالغة للقضايا النووية المذكورة أعلاه ويعربان عن عزمهما على معالجتها فوراً خلال المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق متبادل بشأنها، وتاسعاً إلى حين التوصل إلى الاتفاق النهائي، تتفق الولايات المتحدة وإيران على الحفاظ على الوضع القائم، وستحافظ إيران على الوضع الحالي لبرنامجها النووي، بينما تمتنع الولايات المتحدة عن فرض أي عقوبات جديدة أو نشر قوات إضافية في المنطقة.
تتعهد الولايات المتحدة في البند العاشر، بأنه فورتوقيع هذه المذكرة وحتى إنهاء العقوبات، ستصدر وزارة الخزانة الأميركية إعفاءات تسمح بتصدير النفط الخام الإيراني والمنتجات النفطية ومشتقاتها، وجميع الخدمات المرتبطة بذلك، بما في ذلك المعاملات المصرفية والتأمين والنقل وغيرها، والبند الجادي عشرتتعهد خلاله الولايات المتحدة بإتاحة الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة للاستخدام الكامل فور بدء تنفيذ هذه المذكرة، وسيتفق الطرفان على الإجراءات المتعلقة بالإفراج عن هذه الأموال خلال المفاوضات، وتكون هذه الأموال، سواء بقيت في حساباتها الأصلية أو تم تحويلها، متاحة بالكامل للاستخدام في الدفع لأي مستفيد نهائي يحدده البنك المركزي الإيراني. كما تتعهد الولايات المتحدة بإصدار جميع التراخيص والتصاريح اللازمة لذلك، والثاني عشرتتفق الولايات المتحدة وإيران على إنشاء آلية تنفيذية لمراقبة التطبيق الناجح لهذه المذكرة وضمان الالتزام المستقبلي بالاتفاق النهائي، والثالث عشر، بعد توقيع هذه المذكرة، وبشرط البدء بتنفيذ الفقرات (1) و(4) و(5) و(10) و(11) منها، واستمرار تنفيذ هذه الإجراءات، ستبدأ الولايات المتحدة وإيران مفاوضات الاتفاق النهائي حصراً بشأن الفقرات الأخرى.، والبند الأخيرسيتم اعتماد الاتفاق النهائي بموجب قرارملزم يصدر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
تعيش إسرائيل حالة من الصدمة عقب الانتقادات الحادة التي وجهها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس لوزراء في حكومة بنيامين نتنياهو بسبب مواقفهم الرافضة للاتفاق الأميركي الإيراني، وفضلت إسرائيل عدم الرد بشكل مباشرعلى تصريحات فانس، في محاولة لتجنب تعميق الخلاف مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وجّه بدوره انتقادات متكررة لنتنياهو خلال الأيام الأخيرة، إذ فوجئ مسؤولون إسرائيليون بحدة تصريحات فانس وما تضمنته من رسائل اعتُبرت بمثابة تحذير ضمني يتعلق بمستقبل الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، وجاءت تصريحات نائب الرئيس الأميركي بعد انتقادات وجهها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير للاتفاق الذي وقعته إدارة ترامب مع إيران، وقال فانس مخاطباً الوزيرين: «ما هو اقتراحكم؟ أنتم دولة يبلغ عدد سكانها 9 ملايين نسمة، لا يمكنكم أن تقتلوا كل من يقف في طريقكم للخروج من كل مشكلة»، كما وجه فانس رسالة واضحة إلى نتنياهو مفادها ضرورة ضبط وزرائه وعدم تحدي الإدارة الأميركية، وتعكس تصريحات فانس توجهاً متنامياً داخل أوساط الحزب الجمهوري، بعد أن وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه في مواجهة مباشرة مع ترامب وفانس من خلال الاعتراض العلني على مسار الاتفاق مع إيران.
دقت ساعة الحقيقية، وتأكدت الدول العربية والإسلامية أنه لم يعد أمامها سوى التلاحم لحماية أمنها القومي وصيانة مصالحها التي تعبث بها القوى الاستعمارية عبرالتخطيط للاستيلاء على أراضيها و ثرواتها البترولية والمعدنية، ولذا تجئ الاجتماعات الرباعية المتكررة بين وزراء خارجية مصرو السعودية وتركيا وباكستان، لتمثل نواة حقيقية لتشكيل تحالف أوإطار عمل استراتيجي عربي-إسلامي صاعد بين هذه الدول الأربع التي تمتلك المقومات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تجعلها قادرة على إعادة التوازن للمنطقة، خاصة في ظل استمرارالتنسيق واللقاءات المكثفة بينها، ويمثل قوة الإطار الرباعي ثقل إقليمي وعالمي يجمع بين أكبر دولتين عربيتين من حيث الثقل السكاني والعسكري وهما مصر والسعودية، إلى جانب قوتين إسلاميتين رئيسيتين وهما تركيا وباكستان التي تعتبرالقوة النووية الإسلامية والعربية الوحيدة عبر تكامل القدرات بين الدول الأربع.
تتمتع الدول الأربع بأدوار إقليمية مهمة تمكنها من قيادة المنطقة مستقبلاً، إذ تسهم تركيا بتقدمها في الصناعات الدفاعية، وتتسم مصر بثقلها الاستراتيجي والعسكري وقدراتها البشرية الهائلة، بينما تلعب السعودية دوراً قيادياً واقتصادياً محورياً في المنطقة خصوصاً بين دول الخليج، وتمتلك باكستان قدرات نووية وعسكرية هائلة، ولذا جاء احتضان وزارة الخارجية المصرية بقيادة بدرعبد العاطي، لنظرائه من السعودية وباكستان وتركيا في مدينة العلمين على البحر المتوسط، في اجتماع ضم كل من الأمير فيصل بن فرحان، وزير خارجية السعودية، وهاكان فيدان، وزير خارجية تركيا، ومحمد إسحاق دار، وزير خارجية باكستان، بهدف احتواء التصعيد في الشرق الأوسط، عقب توقيع واشنطن وطهران مذكرة تفاهم بينهما من أجل وقف الحرب التي تفجرت في 28 فبراير الماضي، بعد أن انطلقت مباحثات المرحلة الثانية بين أمريكا وإيران في سويسرا للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يوماً.
جاء هذا التحرك من الوزراء الأربعة في وقت تشهد فيه المنطقة تحديات أمنية متسارعة لإنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إذ تسعى لتوحيد جهود الوساطة وخفض التصعيد بهدف التوافق على ملفات الأمن القومي وتأمين الملاحة البحرية، ومواجهة التهديدات العابرة، في حين أعلن وزارء خارجية الدول الأربع، دعم المفاوضات الإيرانية الأميركية وتنفيذ مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب على إيران وإحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط بعد انطلاق مفاوضات سويسرا، فضلاً عن مناقشة عدد من القضايا الإقليمية الأخرى، من ضمنها لبنان، والقضية الفلسطينية، واتفاق غزة، كما ناقش الاجتماع، آلية التعاون على المستوى الرباعي بين الدول بشقيها السياسي والاقتصادي، إذ بحث الوزراء سبل تعزيز الشراكة بين الدول الأربع، والتنسيق المشترك في قضايا المنطقة، كذلك تدشين آلية رباعية ربما تتسع لما بعد الملف الإيراني، إذ لفتت إلى وضع خطة لاستمرارية عمل تلك الآلية في ملفات أخرى، على ان تُعقد اجتماعات على المستوى الفني بين الدول الأربع، وتحديد موعد الانعقاد القادم لهذه الآلية، واستقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، في أعقاب الاجتماع الرباعي، وزراء الخارجية الأربعة، إذ كشفت التطورات الإقليمية الأخيرة محورية هذه الدول كركائز أساسية للاستقرار والأمن الإقليميين، بما يعزز أهمية استمرار هذه الآلية التشاورية وتطويرها لتصبح إطاراً مؤسسياً فاعلاً قادراً على صياغة حلول شاملة ومستدامة لأزمات المنطقة.
أرى أن هذا التعاون بين الدول الأربع يأخذ في الوقت الحالي يشكل إطاراً تنسيقياً للتشاور السياسي وتبادل المعلومات الاستخباراتية، أكثر من كونه تحالفاً دفاعياً ملزماً مثل حلف الناتو، ورغم ذلك فإن نجاح هذا الرباعي في بناء سياسات موحدة يمكن أن يمهد لتحالف عربي إسلامي مستقل لحفظ الأمن الإقليمي، في ظل زعم ترامب حماية أمريكا لمنطقة الشرق الأوسط، بعيداً عن التدخلات الغربية التي ترغب في فرض هيمنتها على المنطقة، بعد أن دخلت في مشاورات لبحث إنشاء إطار تعاون أمني رباعي يهدف إلى تعزيز التنسيق في القضايا الدفاعية والأمنية ومواجهة التحديات الإقليمية المشتركة، وسبق أن عقد وزراء خارجية الدول الأربع اجتماعاً في العاصمة السعودية الرياض على هامش قمة دولية، حيث ناقشوا للمرة الأولى بشكل جماعي إمكانية تطوير صيغة تعاون مؤسسية تشمل مجالات متعددة، من بينها تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، والتعاون في الصناعات الدفاعية، إضافة إلى إنشاء آليات تشاورسياسية مستمرة بين الأطراف، وتشير المعطيات إلى أن هذه المبادرة لا تهدف إلى إنشاء تحالف دفاعي ملزم على غرار نماذج تقليدية، بل إلى تأسيس منصة تعاون مرنة تركزعلى تنسيق الجهود وتعزيز القدرات الذاتية للدول الأربع، في ظل التحديات الأمنية المتزايدة التي تشهدها المنطقة.
إن هذه التحركات تأتي امتداداً لمسارمن التقارب الثنائي بين الدول الأربع خلال الفترة الماضية، والذي شمل توقيع اتفاقيات أمنية وعسكرية بين عدد من هذه الدول، إضافة إلى توسع التعاون في مجالات الصناعات الدفاعية والتبادل التجاري المرتبط بها، خصوصاً أن الحروب التي تشهدها المنطقة ألقت بظلالها على جميع دول الشرق الأوسط العربية والإسلامية، وأصبح لديها يقين بأنها يتعين أن تتلاحم من أجل حماية أمنها القومي لصيانة مقدراتها بعد أن تفاقمت الأوضاع الإقليمية الراهنة، بما في ذلك التوترات المرتبطة بعدة ملفات أمنية والتداعيات الناتجة عن الصراع مع بين أمريكا وإسرائيل من ناحية وإيران من جهة أخرى للسيطرة على الشرق الأوسط، إذ تسعى الدول الأربع إلى بحث سبل مشتركة للتعامل مع هذه التحديات وتقليل مخاطر التصعيد، ولذا كان من الضروري بناء الثقة المتبادلة وتطوير قنوات اتصال منتظمة، بما يسمح بتنسيق المواقف وتعزيز الاستقرار الإقليمي، مع الإشارة إلى أن أي خطوات مستقبلية ستعتمد على توافق تدريجي بين الدول المشاركة، إذ لا تزال هذه المبادرة في مراحلها الأولية دون إعلان رسمي عن اتفاق نهائي، إلا أنها تعكس توجهاً متزايداً نحو تعزيز التعاون الإقليمي بين قوى رئيسة في العالمين العربي والإسلامي، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، والتي تكاد تعصف بالجميع في حال ظلت الخلافات بين الدول العربية مستمرة دون حلول نهائية، خصوصاً أن الثقة بين هذه الدول ستكون منصة انطلاق نحوبناء تحالف إقليمي قادر على حماية المنطقة من المخاطر التي تحيق بها.
أحمد الشامي
[email protected]