لم تكن "فاطمة" مجرد اسم عابر في دفاتر الحوادث اليومية، ولا مجرد قصة مأساوية تُطوى بانتهاء مراسم العزاء؛ بل كانت صدمة مروعة هزت الضمير الجمعي بعد أن أنهت حياتها بقرية "سرابيوم" بمحافظة الإسماعيلية. تلك الفتاة العشرينية التي ذهبت تبحث عن لقمة عيش شريفة بوظيفة بسيطة في إحدى جمعيات منح القروض متناهية الصغر، لم تكن تعلم أن مكتبها الصغير سيتحول إلى فخ يُنصب لحياتها. لقد وقعت فاطمة ضحية لآليات عمل تفتقر لأدنى معاني الإنسانية، حيث تملصت المؤسسة من مسؤوليتها الاستثمارية وحمّلت الفتاة -التي لا يتعدى دورها إنهاء الإجراءات الورقية- كامل المسؤولية عن أموال العملاء الذين تعثروا في سداد الأقساط نتيجة الظروف المعيشية الصعبة.
لقد حاصرتها الضغوط والمطالبات المالية من جهة عملها، وضاق بها الخناق تحت وطأة التهديد بقطع عيشها أو ملاحقتها، فلم تجد أمامها سوى الاستجابة لوعود وهمية بأن الأزمة ستنفرج فور سداد المتعثرين؛ فاضطرت مكرهة للاقتراض بأسماء والدتها وأفراد عائلتها لتغطية عجز الديون المتراكمة على الغرباء. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي براءة الفتاة؛ فتراكمت الأقساط والفوائد المركبة فوق رأسها ورأس أسرتها، وعجزت تماماً عن السداد، لينهش القهر النفسي والخوف من الفضيحة والسجن روحها الطاهرة، وينتهي بها المطاف بالانتحار للتخلص من جحيم مطالبات لا تنتهي، في واقعة فجرت زلزالاً من الغضب الشعبي العارم.
إن ما كشفت عنه هذه الواقعة المفجعة ليس مجرد سلوك فردي خاطئ لجمعية هنا أو شركة هناك، بل هو تعبير صارخ عن عوار بنيوي في آليات عمل بعض هذه الكيانات التي تُدار بعقلية الجباية المطلقة والاستغلال الفاحش. إنهم لا يرون في الإنسان المقترض، ولا في الموظف الساعي وراء لقمة عيش شريفة، إلا أرقاماً صماء في جداول الحسابات، ونسب تحصيل تصاعدية، ومستهدفاً رقمياً اللعنة (Target) يجب انتزاعه واقتناصه من اللحم الحي للناس، حتى وإن كان الثمن انهيار عائلات بأكملها، أو انتحار فتيات في مقتبل العمر كفاطمة.
أي منطق قانوني أو إنساني أو أخلاقي، يُبيح لإدارات هذه الشركات أن تحوّل موظفاً بسيطاً -كل مؤهلاته أنه رضي براتب ضئيل ليدير معاملات ورقية ويتحقق من المستندات- إلى رهينة وضامن قهري؟ بأي حق يُحمَّل الموظف التنفيذي مسؤولية تعثر العملاء الذين ضاقت بهم سبل العيش فجأة؟ إن إجبار الموظفين والمسؤولين عن القروض على سداد المتأخرات من جيوبهم الخاصة، وتحت وطأة التهديد بالفصل التعسفي أو الملاحقة القضائية، هو جريمة مكتملة الأركان، والتفاف فج على مبادئ القانون التجاري والمالي. إنها عملية إكراه مادي ومعنوي ترقى إلى مرتبة السخرة والعبودية الحديثة، حيث يُدفع الشاب أو الفتاة -تحت وطأة الرعب والترهيب- إلى الوقوع في فخ أعمق؛ وهو الاقتراض بأسماء أمهاتهم وآبائهم، والتوقيع على إيصالات أمانة على بياض، لتغطية عجز لم يتسببوا فيه، بل فرضته ظروف اقتصادية عامة.
إن الحلقة المفرغة للديون المركبة والفوائد الخفية والعمولات الملتوية التي تفرضها تلك الجهات، تصنع دوامة من الجحيم تبتلع الطامحين في بضعة آلاف من الجنيهات لبدء مشروع صغير، لتنتهي بهم الحال وهم يواجهون أحكاماً بالسجن لسنوات طويلة. هذا التغول والتوحش الرأسمالي غيّب تماماً المسؤولية المجتمعية، وداس بالأقدام على أي اعتبار للأبعاد الإنسانية، مما خلق حالة من الاحتقان والرفض المجتمعي الشامل لهذه الممارسات التي تشبه ممارسات "المرابين" في العصور المظلمة، ولكنها ترتدي اليوم ثوب الكيانات المرخصة والشركات الاستثمارية.
نطالب بوقفة تاريخية وحازمة، تتلخص في حزمة من الإجراءات والقرارات الصارمة التي لا تقبل المواربة أو التأجيل:
* أولاً: الضرب بيد من حديد وتجريم الإكراه: يجب فتح تحقيق عاجل وموسع في أساليب الضغط والابتزاز التي تمارسها بعض شركات التمويل ضد موظفيها. لا بد من إصدار قرار صريح وحاسم يُجرم إلزام الموظفين بسداد أي ديون متعثرة، وتجريم توقيعهم على أي ضمانات أو إيصالات أمانة شخصية لصالح جهة عملهم لضمان محفظة القروض، واعتبار أي إيصال من هذا القبيل باطلاً بطلاناً مطلقاً لصدوره تحت الإكراه والتدليس.
* ثانياً: نسف منظومة الفوائد المركبة والعمولات الخفية: يتوجب وضع سقف رقمي صارم وغير قابل للتلاعب لنسب الفوائد والمصاريف الإدارية لجميع القروض متناهية الصغر. إن ترك الحبل على الغارب لهذه الشركات لفرض شروط إذعان وفوائد خفية تضاعف أصل الدين في أشهر قليلة، هو بمثابة إعلان حرب مالية على كاهل الأسر البسيطة، ومساهمة مباشرة في تعميق أزمة الغارمين والغارمات التي تبذل الدولة جهوداً مضنية لمكافحتها.
* ثالثاً: تشديد الرقابة والتفتيش الدوري الميداني: لا بد من تفعيل دور لجان التفتيش المفاجئ من قبل الجهات المانحة للتراخيص، ليس فقط لمراجعة القوائم المالية والأرباح، بل لفحص بيئة العمل، والاستماع إلى الموظفين في الفروع، ومراقبة آليات التحصيل في الشارع، والتأكد من أنها تتوافق مع المعايير الإنسانية والقانونية، وإلغاء تراخيص أي شركة يثبت استخدامها لأساليب البلطجة القانونية أو الترهيب النفسي ضد عملائها أو عامليها.
* رابعاً: المحاسبة الجنائية للمتسببين: إن كل مسؤول في تلك الجمعيات تسبب بقراراته التعسفية وضغوطه غير المشروعة في دفع موظف أو مقترض إلى حافة اليأس والانهيار، يجب أن يقف خلف قضبان العدالة ليُحاسب بتهمة الابتزاز والإكراه المعنوي المفضي إلى الموت. إن دماء هؤلاء الأبرياء ليست رخيصة، ولا يجب أن تمر دون عقاب رادع يزلزل عروش أولئك الذين استمرأوا امتصاص دماء الفقراء.
إن حماية الأرواح وصون كرامة المواطن المصري -سواء كان مقترضاً ضاقت به سبل العيش فطلب ستراً، أو موظفاً شاباً يسعى لبناء مستقبله بجهد شريف- هي خط أحمر وقضية أمن قومي واجتماعي بامتياز. إن الأموال التي تُجمع وتتراكم عبر دموع الأمهات، ونحيب الآباء، وانتحار الفتيات في مقتبل العمر، هي أموال ملعونة ومنزوعة البركة والشرعية الأخلاقية، ولن يسمح ضمير هذا المجتمع بأن تظل أرواح أبنائه وقوداً لقطار أرباح هذه الشركات الطفيلية.
لقد دقت واقعة "فاطمة" ناقوس خطر مروع، زلزل قلوب الجميع وأيقظ النيام، وهي بمثابة الفرصة الأخيرة لتصحيح المسار وإعادة الانضباط والبعد الإنساني لقطاع خرج عن السيطرة والمنطق. إن الغضب الكامن في صدور الملايين لن يهدأ، ولن تبرد نيران هذه المأساة، إلا بقرارات سيادية حاسمة تقتلع جذور هذا التغول، وتغلق زنازين الاستغلال، وتعيد لقمة العيش إلى مسارها الطبيعي الشريف، بعيداً عن مقاصل الديون ومصائد السماسرة. ليرحم الله فاطمة، وليكن دمها الزكي ثورة على الفساد والاستغلال لإنقاذ آلاف الفتيات والشباب المنتظرين على مقاعد القهر ذاتها.