رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


هناك لحظات لا يحدث فيها شيء على الإطلاق، لا شئ أبدا. ومع ذلك نشعر كأن العالم كله يمر في داخلنا. تجلس في غرفة هادئة منعزلة، أو بجوار نافذة ينساب منها ضوء الفجر، فنسمع صوت الحياة وهي تمضي في الخارج بخطواتها المعتادة؛ كفراشة تنطلق من شرنقتها للحياة اول مرة... الناس يذهبون إلى أعمالهم، والقطارات تصل وتغادر، والأطفال يكبرون، والشيوخ يزدادون قربًا من ذكرياتهم، وكل شيء يبدو مألوفًا معتادا إلى حد لا يلفت الانتباه. لكن في أعماق النفس يبقى سؤال صغير بسيط لا يكف عن الطرق على الأبواب: ماذا نفعل بكل هذا العمر الذي يمر؟
ولعل الإنسان منذ أن عرف الحزن والفرح معًا، وهو يحاول أن يجد معنى لما يراه حوله. بعضهم بحث عنه في السفر، وبعضهم في الحب، وبعضهم في السلطة أو الثروة، بينما اختار آخرون أن يفتشوا عنه بين صفحات الكتب. ففي الكتاب شيء يشبه حياةً أخرى موازية؛ حياة لا تمنحنا أجوبة جاهزة بقدر ما تمنحنا قدرة أفضل على طرح الأسئلة.
لقد أدركت مع السنوات أن الحكمة لا تأتي دائمًا من الأحداث الكبرى، بل من تلك التفاصيل الصغيرة التي نعبرها كل يوم دون انتباه؛ من كتاب نعود إليه بعد أعوام فنكتشف أنه تغير، أو لعلنا نحن الذين تغيرنا. ومن فكرة ظننا أننا فهمناها، ثم اكتشفنا بعد زمن طويل أننا كنا بالكاد نلمس أطرافها.
لهذا كله، حين سألني أحدهم ذات يوم: "فيم تفكر؟"، لم أجد نفسي أفكر في أمر بعينه، بل في تلك الخيوط الخفية التي تربط الحياة بالكتب، والتجربة بالحكمة، والمعرفة بالإنسان؛ الخيوط التي تجعل المرء يشعر أحيانًا أن أعمارًا كاملة يمكن أن تختبئ في صفحة واحدة، وأن سؤالًا صغيرًا قد يكون أوسع من مكتبة بأكملها.
فقد سألني فيما أفكر؟!
قلت له: في كلمات... الحياة. الكتب... الحكمة... وشيئ من ذلك.
قال لي: مثلا؟!
قلت: أنا لست في هذا العالم لأعيش وفق توقعاتك، وأنت لست فيه لتعيش وفق توقعاتي. ومن يعرف الآخرين فهو ذكي، ومن يعرف نفسه فهو حكيم حقًا. ومن يسيطر على الآخرين فهو قوي، ومن يسيطر على نفسه فهو الأقوى. لذلك اتبع قلبك، واستمع إلى صوتك الداخلي، وتوقف عن الاهتمام بما يظنه الآخرون. ولا تضيّع وقتك في التفسيرات؛ فالناس لا يسمعون إلا ما يريدون سماعه.
مختصرا أخبرته أنني أفكر الآن في رابط بين هذا وذاك لمقال أكتبه. واستطردت: في مكتبةٍ جيدة تشعر بطريقة غامضة أنك تتخللك الحكمة الموجودة في الكتب كلها عبر روحك، حتى دون أن تفتحها. فمكان بلا كتب كجسد بلا روح. ومن أروع ما قيل من المفكرين والأدباء في أهمية وجوهر "الكتاب" ما ذكره الكاتب والشاعر والناقد الأرجنتيني جورجي لويس بورخبس Jorge Luis Borges:
"إنَّ الكتاب هو الأكثر دهشة بين كلِّ الأدوات التي اخترعها الإنسان طوال تاريخه، إذ أنَّ بقية الأدوات هي امتداد للجسد، فالميكروسكوب والتلسكوب امتدادٌ لرؤية الإنسان، والهاتف امتدادٌ لسمعه، والمحراث والسيف امتدادٌ لذراعه، غير أنَّ الكتاب امتدادٌ لشيءٍ آخر، امتدادٌ للذاكرة والمخيَّلة."
وفي ثلاث كلمات أستطيع أن ألخص كل ما تعلمته عن الحياة: إنها تستمر. وأنت تعيش مرة واحدة فقط، ولكن إذا عشتها بالشكل الصحيح، فمرة واحدة تكفى. وسر الحياة هو أن تسقط سبع مرات وتنهض ثماني مرات... فلا تستسلم أبدًا، أبدًا، أبدًا. لذا تمسّك بأحلامك، فإذا ماتت الأحلام أصبحت الحياة كطائر مكسور الجناحين لا يستطيع الطيران. فالحياة التي لا تُفحص أو تُراجع لا تستحق أن تُعاش. فتعلم... وحوّل جراحك إلى حكمة. وأبسط الأشياء هي أيضًا أكثرها استثنائية، ولا يراها إلا الحكماء. والإنسان لا يتعلم الحكمة إلا بثلاث طرق: بالتأمل وهي أسمى الطرق، وبالتقليد وهي أسهلها، وبالتجربة وهي أقساها. وأنت لا تكتب حياتك بالكلمات، بل بالأفعال. ما تفكر فيه ليس المهم، المهم هو ما تفعله... لذلك أيضا كن كما أنت، وقل ما تشعر به؛ لأن الذين ينزعجون لا يهمون، والذين يهمون لا ينزعجون. وكما يقال كن نفسك فحسب؛ فجميع الآخرين مأخوذون بالفعل وإذا كان التعامل مع البشر صعبًا في بعض الأوقات خاصة إذا كنت لا تستطيع التحمل في أسوأ الحالات، فأنت بالتأكيد لا تستحق أن تكون في أفضل حالاتك. وأنا اكون في أفضل حالاتي حينما انعزل عن الحياة لأعيش الحياة في الكتب...
ودوما تصطبغ الروح بلون أفكارها. ومن يعرف كل الإجابات، لم تُطرح عليه بعد كل الأسئلة. والدهشة كل الدهشة هي بداية الحكمة. والمعرفة كلها مؤلمة. ونصف الذكاء أن تعرف متى تُبقي فمك مغلقًا.
قال لي: هذه فلسفة لا طائل منها.
قلت له: حسنا من الأفضل أن تظل صامتًا مع احتمال أن يظنك الناس أحمق، من أن تتكلم فتزيل كل شك في ذلك. فأي أحمق يمكنه أن يعرف، لكن المهم هو أن يفهم... والأحمق يظن نفسه حكيمًا، أما الحكيم فيعرف أنه أحمق ففكّر قبل أن تتكلم، واقرأ قبل أن تفكّر. وقد حان الوقت لإعادة النظر والتأمل فمعرفة نفسك هي بداية كل حكمة. بل قل إن شئت: الحكمة الحقيقية الوحيدة هي أن تعرف أنك لا تعرف شيئًا...
والمعرفة تتكلم، أما الحكمة فتنصت.
وأكثر ما يبعث على الأسى في حياتنا اليوم أن العلم يجمع المعرفة أسرع مما يجمع المجتمع الحكمة.
وإذا كنت تقرأ هذا الآن... فهنيئًا لك، أنت على قيد الحياة. وإذا لم يكن ذلك سببًا للابتسام، فلا أدري ما الذي يكون سببًا.
ثم افترقنا، ومضى كلٌّ منا في طريقه. لكن السؤال ظل معلقًا في الهواء أكثر مما بقيت الكلمات نفسها. فالحياة، في نهاية الأمر، ليست ما نعرفه عنها، بل ما نعيشه منها. والكتب ليست أوراقًا وحبرًا، بل أرواحًا بعيدة تمد أيديها عبر الزمن لتربت على أكتافنا ونحن نعبر هذا الطريق القصير المسمى عمرًا.
وكلما تقدمت بي السنوات ازددت يقينًا بأن الإنسان لا يكبر بعدد الأيام التي يعيشها، بل بعدد المرات التي أعادت فيها فكرةٌ تشكيل روحه، أو غيّر فيها كتابٌ نظرته إلى نفسه وإلى العالم. وما الحكمة إلا ذلك الضوء الخافت الذي يبقى مشتعلًا في القلب بعد أن تنطفئ ضوضاء الآراء كلها.
ربما لن نجد الإجابة الكاملة أبدًا، وربما خُلقت بعض الأسئلة لترافقنا لا لنجيب عنها. لكن يكفي أننا نحاول أن نفهم، وأن نندهش، وأن نحافظ على ذلك الجزء الحي في أرواحنا الذي ما زال قادرًا على التعلم والحلم.
وعندما يثقل العالم على القلب، وتبدو الحياة أكثر قسوة مما ينبغي، أعود إلى الكتب كما يعود المسافر المتعب إلى بيته. لا لأهرب من الحياة، بل لأتذكر معناها. هناك، بين الصفحات، ألتقي بأشخاص ماتوا منذ قرون وما زالوا يحدثونني، وأصغي إلى عقول غابت أجسادها وبقي نورها، فأدرك أن الإنسان لا يهزم تمامًا ما دام قادرًا على أن يفكر، وأن يقرأ، وأن يحب.
ولهذا، إذا سألتني يومًا أين أقيم حقًا، فلن أجيبك باسم مدينة أو شارع؛ سأقول ببساطة: أقيم بين الحياة والكتب.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة