رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

عيون الشعب

خلال زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون لمصر .. قفز أمامي شريط ذكرياتي في باريس .. التي عشقتها .. لم يفارقني طيف الأسطورة د. طه حسين .. كنت أبحث عن سر تسميته لباريس .. بلد الجن والملائكة .. ولماذا أطلقوا عليها عاصمة النور ؟! وجدت باريس بلد المتناقضات .. فهي عاصمة الفن والسينما والموضة والعطور وأيضاً الثقافة .. والسياسة والاقتصاد .. وفي نفس الوقت بها أحياء كاملة .. تمارس فيها مختلف أنواع
الرذائل والموبقات علانية .. كما يوجد حي جديد "لا ديفانس" .. أقيم على أحدث ما وصل إليه العالم من مبانٍ وتكنولوجيا .. تضم قسم كامل لرجال الأعمال .. بنوك وشركات وفنادق .. وأقاموا به قوس نصر .. موازي تماماً لقوس النصر الأصلي في الشانزلزية .. أما لماذا سميت باريس بعاصمة النور .. فلأنها أول عاصمة في أوروبا يتم إنارتها بمصابيح تضاء بالكيروسين .. وباريس تضم حوالي ١٠٠٠ (نعم ألف) متحفا .. تصوروا متاحف متخصصة .. فمثلاً متحف لتطور طهي الطعام والمخبوزات والحلوى ومتحف للطيران بداية من أول طائرة تم تصنيعها في التاريخ .. لأحدث طائرة .. وأول كمبيوتر .. لأحدث كمبيوتر .. بالمناسبة .. فأول كمبيوتر .. كان في حجم مبنى من طابقين .. وأول ماكينة طباعة .. وأول موتور سيارة .. وتطور سيارات السيتروين والبيجو والرينو .. ومدرسة للعطور .. تضم أسرار صناعة العطور منذ القرن الخامس عشر .. حتى اليوم .. ومتحف لأدوات المائدة .. ومتحف للزهور والورود .. ومتحف للألوان .. واللون السائد في كل عصر .. والمنافسة بين الألوان .. وكيف ساد الأزرق عصراً كاملاً .. ثم الأصفر .. ثم أصبح الأسود سيد الألوان .. يرتديه كبار المسؤولين .. وكل لون له قصة داخل المتحف .. حتى أدوات زينة المرأة .. خصصوا لها متحف كامل .. ومتحف للأحذية .. ولكن يقف متحف اللوفر .. كأهم متاحف الدنيا .. وبرج ايفل .. الذي يرتفع ٣٠٠ متراً وتم صناعته من الحديد .. أقامه العالم الفرنسي ايفل .. بمناسبة مرور ١٠ سنوات على الثورة الفرنسية التي انفجرت في ١٤ يوليو ١٧٨٩ .. ويطلقون عليها الثورة الأم .. لأنها أول ثورة في أوروبا .. فهي التي أنهت سيطرة رجال الكنيسة على الحكم .. بمعنى أدق سيطرة رجال الدين على سلطة الحكم .. كل مرة أزور فيها باريس اذهب الى حي الباستيل .. أقف أمام بقايا سجن الباستيل .. رمز الظلم والقهر والتعذيب .. والذي تحول الى دار أوبرا شعبية .. تفتح أبوابها لعامة الشعب بالملابس العادية البسيطة .. وهنا أرادت فرنسا .. أن تقول للدنيا .. ان مكان الظلم والتعذيب تحول الى مكان لإبداع العقل البشري .. فالأوبرا سيدة الفنون .. مفتوحة أمام البسطاء من الشعب .. يشاهدونها بدون الملابس الرسمية .. أسوة بالكبار من الطبقة الأرستقراطية .. ومن غرائب القدر .. ان المقصلة التي أمر بها روسبير نائب الملك بإعدادها .. وأطلقوا عليها القتل الرحيم (جلوتين) .. يكون أول من أعدم بعد الثورة بها هو روسبير نفسه !! يا سبحان الله .. وأمام الباستيل .. أتذكر المفكر والأديب والكاتب الكبير فولتير .. الذي قامت على مبادئه الثورة الفرنسية : الإخاء والمساواة والعدل والحرية .. وكيف تم سجنه في الباستيل أكثر من مرة .. قبل الثورة طبعاً .. لاتهامه في إهانة الملك وحاشيته .. ومن الباستيل الى متحف اللوفر .. أصابتني الدهشة .. كيف كان هذا المتحف الضخم .. الذي يضم اكثر من ٤٠٠ حجرة مقراً للأسرة الحاكمة !! ذهبت للوحة الموناليزا .. أكثر أماكن اللوفر إقبالاً من الزائرين .. إنها أعظم لوحة في التاريخ .. لماذا ؟ لأن دافنشي .. رسمها بطريقة علمية .. ليست فقط مجرد لوحة لوجه سيدة .. إنما رسمها دافنشي باستخدام التجسيم .. لأول مرة في التاريخ .. فدافنشي هو الذي اخترع التجسيم .. وهو ما يشعرك بأنها تكاد تخرج من البرواز .. وأنه استخدم في رسمها نظام اللاسيمترية .. أي لو طبق نصفي الوجه على بعضهما .. فلا ينطبقان أبداً .. فكل نصف به اختلاف عن الآخر .. ودافنشي هو أول من رسم الموناليزا .. بدون نهاية للخلفية .. فهي ممتدة بلا نهاية .. وتجلت عظمة إبداع دافنشي .. في ان الموناليزا .. تنظر الى كل من ينظر إليها في نفس الوقت .. يعني لو نظر زإليها شخص من جهة اليمين .. يجدها تنظر إليه .. وفي نفس الوقت .. تبادل النظر .. لمن ينظر إليها من جهة الشمال !! وقد احتار العلماء هل هي مبتسمة أم حزينة !! ومازالت هذه اللوحة تدرس في جميع كليات ومعاهد الفنون في العالم .. وقد توصلت إحدى جامعات كندا .. الى انها مبتسمة .. وقبل أن أغادر قاعة الموناليزا .. توقفت طويلاً أمام لوحة (فرح قانا) .. للفنان الإيطالي باولو فرينوزيا .. الذي جسد زيارة نابليون بونابرت سنة ١٧٧٩ .. لقانا الفلسطينية .. وهي مدينة تاريخية مقدسة معروفة بأنها مسرحا لأولى معجزات السيد المسيح .. حيث حول الماء الى خمر .. خلال حفل زواج .. وقانا تقع داخل الجليل على بعد ٦ كيلو شمال شرق مدينة الناصرة و١٨ كيلو متر غرب بحيرة طبريا .. وهكذا ينطق الحق من قلب اللوفر .. بأن فلسطين عربية .. عربية !! أنها باريس بلد الجن والملائكة .. وأيضاً عاصمة النور .

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة