رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بالبنط العريض

دائما هناك إشكالية في الطريقة التي تنظر بها الدول الكبرى- والتي تلقب نفسها "بالعالم الحر"- لمفاهيم ومصطلحات من عينة "حقوق الإنسان" و"الإرهاب" و"حرية التعبير" وغيرها من مصطلحات تضيق وتتسع بحسب رؤية تلك الدول لها, إشكالية قد تصل في إلى إزدواجية في النظرة والمعايير.

بعد قراءتي لتقرير قصير نشرته مؤخرا صحيفة الجارديان البريطانية وجدت الأسئلة تطرح نفسها: كيف تنظر بريطانيا مثلا إلى مصطلح "حقوق الإنسان"؟, ماذا يعني لها؟, وكيف توصف "جريمة الحرب", وكيف تنظر لفكرة "احتلال الأرض" من الأساس وحق أصحاب الأرض في مواجهة المحتل؟ كانت هذه الأسئلة, أما التقرير الذي نشرته الجارديان وأدي إلى طرحها فكان عن اتهامات جديدة في المملكة المتحدة، أثارت جدلا واسعا حول أنشطة عدد من الجمعيات الخيرية البريطانية، بعد الكشف عن تحويلها ملايين الجنيهات الإسترلينية إلى مؤسسات ومشاريع مرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة بحسب تقارير بريطانية وأممية، قالت الجارديان أن النائبة العمالية البريطانية ميلاني وارد، كشفت عن 32 جمعية خيرية مسجلة في إنجلترا وويلز قدمت ما لا يقل عن 28 مليون جنيه إسترليني لدعم جهات تعمل داخل المستوطنات الإسرائيلية أو ترتبط بها، رغم أن هذه المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي وفقا للأمم المتحدة.

رغم أن المملكة المتحدة قررت الاعتراف بدولة فلسطين في الجمعية العامة في خطوة جريئة أثارت غضب إسرائيل والولايات المتحدة ورغم أن الحكومة البريطانية نفسها قامت بتكليف هيئة الأعمال الخيرية بفتح تحقيق في الروابط المحتملة بين بعض المؤسسات الخيرية البريطانية والمستوطنات الإسرائيلية, لكن رغم ذلك فالواقع يقول أن هناك دعم حقيقي للمارسات الاستيطانية في الأرض المحتلة ودعم المستوطنات لايمكن اعتباره نشاطا خيريا يخدم المصلحة العامة البريطانية، وأي تمويل يذهب إلى مشاريع تدعم بقاء المستوطنات أو توسعها قد يُستخدم بصورة مباشرة أوغير مباشرة في تعزيز أوضاع تعتبرها جهات دولية انتهاكا للقانون الدولي ناهيك عن أن هذه الجمعيات يأتي جزء من تمويلها من دافعي الضرائب البريطانيين.

إذا كيف نفسر ذلك؟ في رأيي أن كلمة السر هي الدولة العميقة في بريطانيا, القناعات الراسخة في الذهنية البريطانية والتي غالبا غير معلنة, الإمبريالية القديمة مازال لها جذور حتى ولو كانت خفية, جذور ترى أن التعاطف مع المحتل ودعمه واجب وعمل خيري وتجمع له الأموال التي تتدفق إلى المستوطنات والبؤرالاستيطانية لتسهم في تعزيز وجودها واستمرار الجرائم بحق أصحاب الأرض من الفلسطينيين وزيادة أعمال العنف بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.

هذا لا يمنع من وجود أصوات داخل المملكة المتحدة تحقق في مثل هذه الخروقات التي تدعم العنف وتزدري حقوق الإنسان وتغذي الكراهية, وأصوات تشن الحملات لدعم الموقف القانوني الدولي الرافض للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإلا ما كانت لتصل لنا الواقعة, كما أن الموقف المعلن من الحكومات البريطانية المتعاقبة يعتبر بناء المستوطنات وتوسيعها يتعارض مع القانون الدولي, ويتزايد التدقيق مؤخرا داخل بريطانيا وأوروبا بشأن مصادر تمويل الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية، وسط مطالب من منظمات حقوقية وبرلمانيين بفرض رقابة أشد على التدفق المالي الذي قد يستخدم في دعم مشاريع أو جهات تعمل في الأراضي المحتلة.. لكن رغم كل ذلك يبدو أن هناك ما يحدث في الخفاء, سياسة صنعتها الثقافة والموروث أو سياسة ترسم من وراء ستار حتى ولو كان ستار الجمعيات الخيرية, وفي الأخير هي سياسة عدائية تقوض السلم العالمي

الوضع في الضفة الغربية المحتلة يزداد سوء على مسمع ومرأى من العالم, الهجمات على القرى والأراضي الزراعية الفلسطينية ارتفعت بحسب آخر التقارير بنسبة 130% منذ عام 2023، وشملت اعتداءات نفذتها مجموعات من المستوطنين الملثمين، وتواجه قوات الأمن الإسرائيلية اتهامات بمرافقة المستوطنين وتوفير الحماية لهم أثناء تنفيذ الهجمات, هذا النمط من العنف أدى إلى مقتل وإصابة وتشريد أعداد متزايدة من الفلسطينيين، وثقت الأمم المتحدة مقتل 7 منهم وإصابة أكثر من 800 خلال العام الماضي وحده، مع استمرار الهجمات بوتيرة شبه يومية خلال 2026, وبدلا من اتخاذ موقف دولي فاعل وصريح -وليس رمزي- يتفق مع القانون الدولي يوقف هذه الاعتداءات, نكتشف واقعة تمويل للمستوطين في دولة عضو دائم في مجلس الأمن!

الخلاصة أن قيم الحق والعدل وحقوق الإنسان في عالم تحمه القوة وحدها تصبح مع الأسف مصطلحات مطاطية تستخدم حسب الحاجة والهدف والمعني بهما.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة