إلى الأمام..
من المفارقات المضحكة المبكية أن المجتمع وهو يبحث عن حل لاخماد نار الطلاق المشتعلة اذا به يفتح أبوابا جديدة للطلاق ويجعله أكثر سهولة ويزيد القضية تعقيدا على تعقيد..
نعم ارتفاع نسبة الطلاق مشكلة حقيقية تدق أجراس الانذار لأنها تهدد استقرار المجتمع وتماسكه وتؤثر على قدرته الانتاجية والابداعية..
للأسف الشديد محاولات التدخل التشريعي في العقود الأخيرة وادخال تعديلات على قانون الأحوال الشحصية أو قانون الأسرة لم تحسم كثيرا من المشكلات بل انها طرحت بقوة اسئلة جديدة وحائرة في مقدمتها لماذا كل هذا الطلاق؟ّ! ولماذا هذا الرعب من الطلاق والاصرار على تأمين الطلاق ولو على حساب أي شيئ أخر حتى ولو كان تعطيل الزواج نفسه ودفع الشباب نحو اليأس من فكرة الزواج والانصراف عن الطرق الشرعية والبحث عن طرق ووسائل أخرى تحقق سعادته؟
احصاءات الجهاز المركزي تؤكد حدوث انخفاض في عقود الزواج في العام 2024 بنسبة 2.5%يقابلها ارتفاع في نسبة الطلاق بنسبة 3,1%..يقول الخبراء في قراءاتهم للاحصائية الاخيرة انها تسجل أعلى معدل للطلاق خلال 20 عاما..اذ تشهد مصر 750 حالة طلاق كل يوم خلال عام 2024والقاهرة في المقدمة بـ 6 حالات طلاق كل ساعة..اذ بلغت حالات الطلاق نحو ٢٧٣.٨٩٢ حالة بما يعادل ٣١ حالة فى الساعة، بواقع حالة كل دقيقتين، بزيادة بلغت ٧.٥٪ مقارنة بعام ٢٠٢١ الذى سجل فيه عدد حالات الطلاق ٢٥٤.٧٧٧ حالة.
وسجلت الفئة العمرية ٢٥ عامًا أعلى عدد من حالات الطلاق بإجمالى ٤٥.٦٣٥ حالة، بزيادة ٥٪ مقارنة بعام ٢٠٢١ الذى شهد ٤٣.٤٢٧ حالة،فيما تصدّر الخلع قائمة أسباب الطلاق منذ عام ٢٠٢١ حتى عام ٢٠٢٤، فبلغ إجمالى الحالات ١١.٩٠٦ حالة فى عام ٢٠٢٤، بزيادة بلغت ٢٩.٥٪ مقارنة بعام ٢٠٢١، الذى سجل ٩.١٩٧ حالة.
الارقام مخيفة ومرعبة والقضية اكبر من ان ينظر اليها بوضع تشريع يقيد او يحرم الرجل من ايقاع الطلاق او منح رخصة الطلاق للمرأة ولنا في تجربة الخلع افضل مثال فلم يقلل الطلاق بل زادت نسبته بصورة كبيرة وتشير بعض الاحصاءات ان 88% من حالات الطلاق خلعا و12% فقط طلاق للضرر..
العملية متشابكة وبالغة التعقيد لأنها تتعلق بما طرأ على المجتمع من تغيرات صعبة وعميقة على المستويات الاجتماعية والثقافية والسياسية أيضا، تغيرات ألقت بظلال كثيفة على مثلث السعادة والاستقرار والزواج..
كذلك اختلفت العقليات والتوجهات والنظرة الى الزواج وبناء الاسرة وهل يحقق السعادة المرجوة في ظل الضغوط الكبيرة وما أحدثته ثورة التطلعات لدى الشباب والنظرة الى المستقبل لم يعد فيها الزواج رقم واحد في اهتمام وتطلعات الفتاة العاملة والراغبة في تحقيق الاستقلال المادي والاقتصادي. فضلا عن الثقافة التى بدأت تتسرب الى المجتمع مع ظهور طبقات طفيلية من الأثرياء أو رجال أعمال جدد تمكنوا من أن يحولوا الزواج الى صفقات تجارية..مما خلق صورا جديدة تم تصديرها الى الشباب زادت من عوامل الاحباط أو ساهمت في احداث نوع من التمرد السريع على العلاقات الاجتماعية سواء المستقرة أو شبه المستقرة..
أوضاع ساهمت في شيوع أنواع عجيبة من الطلاق كعقاب للزوج او الزوجة أو كنوع من الخلاص أو المخرج لأزمة اقتصادية أو غيرها وفي الحالتين يدفع الابناء الصغار الثمن..
المعايير الجديدة وغير المعقولة على صعيد التغيرات الاجتماعية والثقافية دفعت الكثير من أولياء الامور الى المبالغة والتشدد في أمور الزواج وتكبيل العريس بما لا يطيق خوفا من حدوث انتكاسات سريعة وغير متوقعة واستشرى داء التشدد الى معظم الطبقات الاجتماعية –طبقا لقاعدة التقليد الاعمى- الذي لم يتوقف فقط عند المهر والتجهيزات الفاخرة بل امتد الى حفلات الزفاف المرهقة ماديا ومعنويا.. وأصبح تأمين الطلاق قاعدة مقدمة وواحدة في مقدمة فقه الاولويات تزاحم الضرورات الخمس..
السؤال الان كيف نقطع الطريق على سيل الطلاق الجامح ؟!
الجواب ببساطة باصلاح الزواج ومقدماته من خطبة وغيرها ومن قبل هذا اعادة الاعتبار للاسرة لتكون النموذج والقدوة للشاب والشابة وأن تكون هي نموذج الاستقرار الامثل أمام أعين الجميع .. لأن اخطر ما أصاب المجتمع المعاصر ما حدث من تفكك واضمحلال للأسر بشكل عام بعد أن أصابها داء العصر وغرقت في دوامات توفير متطلبات الحياة وتحقيق الرغبات على حساب أشياء كثير مما أحدث صدوعا وشروخا كبيرة في البنيان الاساسي أصبح من الصعب اصلاحها وهو ما تسبب ان الاسرة لم يعد لها طاقة احتمال لاية هزة تصيب افرادها المتزوجين حديثا مما يضاعف المأساة حتى بعد الطلاق وهو ما تترجمه رغبات الانتقام من الزوج الشاب ومحاولات تجريده من كل شيء ليس فقط من اماله ودخله بل من رجولته أيضا وهو ما يضيف اعباءا ثقالا على وقائع الطلاق بحد ذاتها..
اصلاح الخطبة أو نظام الخطوبة قبل الزواج أصبح ضرورة ملحة لتكون عنصر بناء حقيقي للاسرة المحتملة والزواج المرتقب..ما يفعله كثير من الناس في الخطبة جعلها في كثير من الأحيان أول لبنات الشقاء فيما هو قادم.. انهارت كل الحدود وتاهت المعالم واختلط الحابل بالنابل وسيطر الزيف والخداع والتضليل ولأن كثيرا من الأمور تتم خارج نطاق السيطرة وبعيدا عما شرعت من أجله الخطبة أصبح الزواج المحتمل على شفا جرف هار.. ولو أن الأسرتين اساغلتا فترة الخطوبة ليتفهم كل منهما الاخر ويتعرف عليه حقيقة دون ترك الامور للشاب والفتاة فقط لما احتجنا الى نصب فخ زواج التجربة ومنح المراة حق فسخ العقد خلال ستة اشهر او سلب حق الرجل في التطليق خلال ثلاث سنوات وغير ذلك من ترهات وخزعبلات.. وابداعات لمحترفي قوانين الأحوال الشخصية..الذين اغرقوا المرأة في قانون الخلع وصارت حائرة بين الخالع والمخلوعة و ها هم يضعونها مجددا على فوهة الفاسخ والمفسوخ لتضيع مرة أخرى في دوامات من الصراع ما انزل الله بها من سلطان..
مفاتيح السعادة والاستقرار يملكها من يمكلك الوعي ويتحلى بالحكمة والأمل ويعلو دائما فوق أي صراع من أجل الغاية الاسمى بناء أسرة سعيدة والسعي نحو مستقبل اكثر امنا واشراقا ..
**عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة. يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت»رواه مسلم.
والله المستعان ..