بالبنط العريض
قبل أيام كنت ضيفا على إحدى القنوات الإخبارية العربية وتطرق الحديث لوضع مضيق هرمز, تحدثت عن استخدام إيران له كورقة تفاوض بإغلاقه ثم التفاوض على إعادة فتحه بمكاسب على الطاولة, وما أن انتهيت من اللقاء حتى جاءتني رسالة على حسابي في فيس بوك عبر البريد العشوائي من شخص لا أعرفه (غير صديق), فهمت من سطورها الأولى أن المرسل يقول لي كيف تتحدث هكذا عن مضيق هرمز ومصر تفرض رسوما على المرور بقناة السويس؟!, وعندما فتحت الرسالة لم أجدها!, يبدو أن المرسل في ثوان قام بحذفها, لكنني على أي حال فهمت محتواها, لأن ما كتبه هذا الشخص أوبالأحرى ما كتبه وحذفه, كلام مغلوط يحلو للبعض ترديديه في أزمة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيرن, و كأنه يبرر لإيران إغلاق المضيق ويقول أن من حقها فرض رسوم على السفن المارة فيه، كما تفعل مصر بفرض رسوم على العبور في قناة السويس!
هذا الشخص ومن على شاكلته إما أن الجهل قد بلغ منهم مبتغاه, جهل بالتاريخ و الجغرافيا والحدود والقانون الدولي, أوأنه مغرض وكاره للدولة المصرية وهذه مشاعره.
هناك فرق جوهري قانونيًا وواقعًا بين مضيق هرمز وقناة السويس، فرق ينسف المقارنة من الأساس, فمن حيث الطبيعة والسيادة, قناة السويس مرفق مصري حفره المصريون على أرضهم (تقع بالكامل داخل الأراضي المصرية) بجهد جهيد "عرق ودم", فمات في الحفر-الذي تم بأدوات بدائية- قرابة 120 ألف مواطن مصري, وتم الحفر بتمويل وإدارة مصرية, أي أنه مشروع صناعي مصري على أرض مصر وتحت سيادتها الكاملة سواء من حيث الملكية والإدارة والتشغيل وتُدار وفق قوانين مصر، وبحكم هذه السيادة، تمتلك مصر الحق في فرض الرسوم على السفن العابرة وتنظيم الملاحة داخل القناة، مع التزامها في الوقت نفسه بالاتفاقيات الدولية التي تضمن حرية المرور وعدم التمييز بين الدول, والقانون الدولي ينظم هذه المسألة بنص صريح يقول أن القنوات الصناعية (مثل قناة السويس) تخضع لسيادة الدولة التي أنشأتها, ويُسمح لها بفرض رسوم مقابل خدمات العبور والصيانة، وفقاً لاتفاقية القسطنطينية 1888م, وللقناة أهمية استراتيجية استمدتها من موقع مصر, كونها أقصر طريق ملاحي يربط بين أوروبا وآسيا ويختصر الدوران حول إفريقيا.
أما مضيق هرمز فهو ممر طبيعي (أي من صنع الطبيعة) لم يُنشئه أحد, يقع بين سواحل إيران وسلطنة عمان، يربط بين الخليج العربي والمحيط الهندي عبر بحر عُمان ويُعد من أهم الممرات البحرية الطبيعية في العالم, هذا الموقع الجغرافي يمنحه صفة “الممر الدولي”، ما يعني أنه يخضع لقواعد القانون الدولي للبحار، التي تكفل حرية الملاحة لجميع الدول دون استثناء, وبناءً على ذلك، لا يحق لأي طرف إغلاقه أومنع السفن من العبور، حتى وإن كانت الدول المطلة عليه تملك سيادة على مياهه الإقليمية, ويعد جزء من ممرات الملاحة الدولية المفتوحة حيث لا تملكه دولة واحدة، ولا يمكن التعامل معه كأصل تجاري خاص, والقانون الدولي واضح وحاسم في هذه المسألة فوفقًا لاتفاقية المضائق الدولية يعد مضيق هرمز ممر دولي مشترك لا يخضع لملكية حصرية، بل لحقوق عبور تضمنها القوانين الدولية,خاضعا لمبدأ حرية العبور(Transit Passage), لا يحق لأي دولة مشاطئة أن تمنع المرور أوتفرض رسومًا مقابل العبور, هذا غير أن أي محاولة للسيطرة على مضيق هرمز أوفرض رسوم ستُعتبر تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي كونه يمرعبره نحو 20% من نفط العالم,ويعد الشريان الأهم عالمياً لنقل النفط والغاز من دول الخليج إلى العالم وهذا يفسر الوجود العسكري الدولي المكثف في المنطقة والرفض الدولي لأي محاولة لاحتكاره.
مثل هذه المقارنة غير الواقعية تستخدم في سياق سياسي مغرض, لكن من المهم لفهم كثير من النقاشات السياسية والاقتصادية المرتبطة بحركة التجارة العالمية، أن نضع الأمور في سياقها المنطقي والقانوني, فالقنوات الاصطناعية تعكس سيادة الدول التي أنشأتها، بينما المضائق الطبيعية جزءًا من النظام البحري الدولي الذي يوازن بين سيادة الدول وحرية الملاحة.
أخيرا: تخيل معي لو لم يقم المصريون بحفر قناة السويس, هل كانت هناك أي قوة في الدنيا لترغم المصريين على حفرها؟, بالطبع لا, فمصر صاحبة السيادة على أراضيها التي حفرت القناة فيها, باختصار المصريون حفروا القناة على أرضهم كمنشأة وطنية أو كمشروع تجاري له طابع دولي, ليستفيد منه العالم ودفع المقابل.