رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

حكايات النفس

في زحام الحياة ، أصبح الإنسان يركض بلا توقف.. خلف العمل ، والاستقرار ، والمكانة ، والمال ، ظنًا منه أن السعادة تنتظر دائمًا المحطة التالية ، وأن الطمأنينة مؤجلة إلى حين اكتمال الصورة التي رسمها لنفسه .

لكن ان لم تستطع فهم حقيقة الحياة .. فغالبا ستكتشف ان الأشياء التي نظن أنها ستمنحنا السلام الكامل ، كثيرًا ما تمنحنا مزيدًا من القلق والخوف واللهاث .

لا شك أن المال ضرورة من ضرورات الحياة ، وأنه وسيلة مهمة لحفظ الكرامة وتخفيف أعباء الأيام .. فالفقر القاسي ليس بطولة ، والعجز عن توفير الاحتياجات الأساسية يستنزف الإنسان نفسيًا وروحيًا قبل أن يستنزفه ماديًا.

لكن هل تكفي الوفرة المادية وحدها لصناعة إنسان سعيد؟ .. الواقع يجيب بوضوح "لا" .. فكم من أشخاص امتلكوا كل أسباب الرفاهية ، لكنهم فقدوا القدرة على الشعور بالراحة .. وكم من بيوت فاخرة يسكنها القلق .. وكم من " جيوبا " ممتلئة بالأموال لكن القلوب خاوية من الطمأنينة .

وفي المقابل ، قد تجد إنسانًا بسيطًا ، محدود الإمكانات ، لكنه يملك قدرًا كبيرا من الرضا و السلام النفسي يجعله أكثر راحة من كثيرين يملكون أضعاف ما يملك.

أن السعادة لا تُقاس فقط بما يملكه الإنسان ، بل بما يشعر به من داخله .. و أصبحت المقارنات والنظر لما يمتلكه الغير أحد أكبر مصادر التعاسة وعدم الرضا .. فالإنسان لم يعد ينظر إلى نعمته بعين الرضا ، بل بعين النقص ، لأن هناك دائمًا من يملك أكثر ، أو يظهر في حياة تبدو أكثر رفاهية ولمعانًا.. و مع الوقت ، يفقد الإنسان قدرته على الاستمتاع بالأشياء البسيطة التي كانت تمنح الحياة معناها الحقيقي .. جلسة هادئة مع العائلة .. دعوة صادقة من أم .. صديق مخلص ، صحة جيدة، أو حتى ليلة ينام فيها المرء دون قلق يوقظه في منتصف الليل.
و من أروع ما قاله الإمام الشافعي في الحكمة «إذا ما كنتَ ذا قلبٍ قنوعٍ .. فأنتَ ومالكُ الدنيا سواءُ»

فالقناعة هنا ليست رفضًا للحياة أو الطموح، بل حالة من التوازن النفسي تجعل الإنسان قادرًا على الاستمتاع بما يملك ، دون أن يتحول إلى أسير دائم لما ينقصه.

كما أن مفهوم الزهد في تراثنا الديني لم يكن يومًا دعوة للفقر أو الانعزال عن الدنيا، بل كان دعوة لتحرير القلب من التعلق المفرط بالأشياء .. أن يملك الإنسان المال دون أن يتحول إلى ان يملك المال الانسان ، وأن يسعى ويجتهد دون أن يفقد سكينته في الطريق .. فغنى النفس و الاكتفاء الداخلي السبيل لحياة أكثر هدوءًا واتزانًا.

ولعل أكثر ما يحتاجه الإنسان اليوم ليس المزيد من السكينة والطمأنية والايمان وان يتحرر من قيود القلق والمنافسة في غير محلها .. وأن يتصالح مع حقيقة أن الحياة لن تكتمل لأحد .. وأن الكمال الذي نأمله يصبح وهم لا نهاية له.

لقد وعد الله الإنسان بالطمأنينة لا بالكمال، فقال سبحانه "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" .. وكأن المعنى الأعمق للحياة لا يكمن في امتلاك كل شيء، بل في امتلاك قلب قادر على العيش بسلام ، مهما تغيرت الظروف وتعاقبت الأيام.

قد لا تكون السعادة في الوصول إلى كل ما نريد .. انما بالرضا بما نحصل عليه و ألا نفقد أنفسنا في هذا الطريق .. وأن يحتفظ الإنسان بقلب هادئ ، وروح متزنة ، وقدرة دائمة على الشعور برحمة الله وسط صخب الحياة و تقلباتها .

فأعظم النعم لا تُرى بالعين .. بل تُشعر بها القلوب .

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة