بين الحين والآخر، تخرج من سراديب الفكر الصهيوني المتطرف أصواتٌ تبدو في ظاهرها قراءة للمستقبل، لكنها في باطنها ليست سوى انعكاس لـ"عقدة نقص" مزمنة، وحالة من الفزع الوجودي المستدام الذي لا تفلح كل ترسانات السلاح المدفوعة مسبقاً في مداواته أو توفير الطمأنينة لأصحابه. آخر هذه التجليات المقيتة كان خروج الجاسوس المُدان جوناثان بولارد - ذلك المسخ الذي خان الدولة التي آوته واحتضنته ومنحته جنسيتها (أمريكا)، قبل أن يبيع ضميره الاستخباراتي لمن يدفع أكثر- ليتحف العالم برؤية "فانتازية" متهورة عبر منصات البودكاست الإعلامي والإعلام الرقمي الموجه، مدعياً أن معركة كيانه الحالية هي مجرد تمهيد لعاصفة قادمة كبرى، واصفاً إياها بالخطر الوجودي الأكبر الذي يجمع مِصر وتركيا، ومحرضاً على إعادة جيرانه إلى "العصر الحجري" للاستعداد لهذه المواجهة الحتمية.
ونحن هنا، من قلب القاهرة النابض، من مهد الأرض الفتية التي علّمت البشرية فجر التاريخ كيف تُبنى الدول وكيف تُصان الكرامة، لا نرد على بولارد كشخص أو ككائن معزول؛ فـ"البرص" الذي قضى نصف عمره ذليلاً يقتات على عفو مشروط خلف القضبان الأمريكية لا يستحق الحبر الذي يُكتب به اسمه. لكننا نرد على العقلية المستترة خلفه، على ذلك التيار اليميني الأعمى في تل أبيب الذي يستدعي هؤلاء "الأموات سياسياً" لإعادة تدويرهم كأبواق وجس نبض، هروباً من أزمات الكيان الداخلية الوجودية، ومحاولة بائسة لصناعة "عدو دائم" يستدعي به تعاطفاً دولياً ودعماً عسكرياً أمريكياً مطلقاً لا ينقطع.
يا بولارد.. مصر ليست ساحة لتجارب الصبيان
إن المشكلة البنيوية الحقيقية في عقلية المحللين الإسرائيليين من وزن بولارد، أنهم يسقطون أوهامهم المريضة على واقع جيو-سياسي لا يعرفونه، أو بالأحرى يعرفونه جيداً ويخشون مواجهته. يتحدثون عن مِصر في غرفهم المغلقة وبرامجهم الموجهة وكأنهم يحللون سلوك تنظيم مسلح عابر، أو فصيل تكتيكي مؤقت، أو أشباه دول أنهكتها الصراعات الأهلية والتمزقات الطائفية والحدود المصطنعة.
غاب عن وعي هؤلاء الغافلين حقيقة جغرافية وتاريخية صلبة كصخر الجرانيت: مِصر هي "الدولة المركزية الأقدم والأعمق في تاريخ الإنسانية".
مِصر لم تكن يوماً صنيعة اتفاقيات دولية مشبوهة، ولا هي أرضٌ لّفّقت الجغرافيا حدودها، ولا جُمع شتات شعبها من أصقاع الأرض بالوعود الزائفة وتزوير الأساطير. مِصر دولة ذات عمق استراتيجي وبشري ضارب في جذور الأرض لأكثر من سبعة آلاف سنة متواصلة من السيادة والاستقرار. هذا العمق ليس مجرد سطور تُقرأ في كتب التاريخ المدرسية، بل هو "شفرة جينية حية" تسري في عروق كل مواطن مصري، شفرة خاملة في الرخاء، لكنها تتحول في لحظة الخطر الداهم إلى كتلة خرسانية مرعبة تتكسر عليها أعتى المؤامرات الدولية.
وحين تتجرأ وتتحدث عن الجيش المصري، فأنت لا تتحدث عن فرقة من المرتزقة، ولا عن جنود تقاتل عبر شاشات التحكم ويبحثون عن عقود تأمين تكنولوجي؛ أنت تتحدث هنا عن "جيش نظامي كلاسيكي عملاق" ، جيش من أبناء هذه الأرض، يمتلك عقيدة عسكرية قتالية ثابتة لم تتبدل منذ فجر التاريخ: "الأرض هي العِرض، ودون الحدود تفنى الأرواح وتُسكب الدماء". هذا الجيش العظيم الذي يراقبه إعلامكم الاستخباري ليل نهار بنبرة يملؤها الوجل والتحسس والترقب الخائف، لم يترك أمنه القومي يوماً للمصادفات، أو لعهود ومواثيق "حسن النوايا" التي أثبتم عبر التاريخ أنكم أول من ينقضها.
إن الطفرة الهائلة وعمليات التحديث الشاملة والمدروسة التي شهدتها القوات المسلحة المصرية خلال السنوات الأخيرة—بدءاً من حاملات المروحيات "ميسترال" في أعالي البحار، إلى أحدث المقاتلات السيادية في الجو، ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، وصولاً إلى تطوير البنية التحتية العسكرية المعقدة والشاملة في سيناء والمنطقة الشرقية—لم تكن نزهة أو ترفاً، بل كانت تطبيقاً حاسماً واستباقياً للمفهوم الاستراتيجي الأهم في علم الحروب: "الردع الشامل والساحق" . نحن دولة لا تعتدي ولا تبادر بالبَغي، ولكننا نملك من القوة الباطشة ما يجعل مجرد "التفكير" في الاقتراب من حدودنا أو المساس بمصالحنا انتحاراً عسكرياً متكاملاً بموجب كافة الحسابات الاستخباراتية الرصينة في الشرق والغرب.
عقدة "البيجامات الكستور" والوعي العصي على الاختراق
يبدو أن خمسين عاماً أو يزيد لم تكن مدة كافية لكي يتعلم قادة الاحتلال ومحللوهم المراهقون الدرس العسكري جيداً. فالزمن لم ولن يمحو من ذاكرة التاريخ تفاصيل وملامح نصر أكتوبر العظيم عام 1973 ، حين تحطمت غطرسة "الجيش الذي لا يقهر" وخطوطه الدفاعية الأسطورية تحت أحذية خير أجناد الأرض في ساعات معدودات، وحين عاد أسرى كيانكم بذلة وانكسار بـ"البيجامات الكستور" المصرية، المحفورة في الوجدان الشعبي كشاهد حي وعلامة مسجلة على الفارق الهائل بين قوة الوهم المصنوع وملحمة الحق المفروض.
إن الصدق الوحيد والعفوي الذي جاء في تقارير صحافتكم، وأبحاث مراكزكم الأمنية، والتي ألمح إليها بولارد مكرهاً، هو "عداء الشعب المصري الجارف لكيانكم وعقيدته التوسعية الإجرامية" . هذا العداء ليس نتاج شحن إعلامي مؤقت أو بروباجندا حكومية متغيرة، بل هو وعي عقائدي شعبي جارف وعصي على الترويض أو الاختراق. لقد فشلت كل المليارات ومحاولات "التطبيع الفوقي" والاتفاقيات الدبلوماسية على مدار عقود طويلة في تغيير عقيدة وفطرة المواطن المصري البسيط في القرية والمدينة والنجع. المواطن المصري قد ينشغل بأزماته الاقتصادية وتفاصيل حياته اليومية المعقدة، لكنه يتحول فوراً إلى جندي في الميدان خلف جيشه وقيادته إذا استشعر أن هناك ظلاً غريباً يحاول الاقتراب من ذرة تراب واحدة من بلده.
هذه "الثغرة النفسية والعقائدية" هي الكابوس الأكبر والأعمق للنخبة الصهيونية؛ فهم يدركون جيدا في غرف تحليلهم أن أي مواجهة مباشرة مع مِصر لا تعني مواجهة جبهة عسكرية محددة، بل تعني مواجهة مع أكثر من 120 ملايين مقاتل محتمل ، شعب بأكمله لا يرى في التضحية والاستشهاد من أجل وطنه عبئاً أو خسارة، بل يراها واجباً مقدساً وشهادة كبرى يبتغيها ويتوارثها الأجيال جيلًا بعد جيل.
التقارب الإقليمي والانهيار الجيوسياسي لسياسات التفكيك
يرتعد بولارد وأسياده من فكرة "العاصفة القادمة" التي تجمع مِصر وتركيا في مربع تنسيقي واحد. ولهم كل الحق في هذا الرعب؛ فالاستراتيجية الصهيونية بنيت تاريخياً على سياسة خبيثة لتفكيك المنطقة، وعزل دولها، والاستفراد بالملفات مجزأة، وإشعال الصراعات البينية بين القوى الإقليمية الكبرى لتبني إسرائيل أمنها المزعوم على أنقاض وعواصم الآخرين.
اليوم، حين تجد النخبة العسكرية في تل أبيب أن هناك تقارباً استراتيجياً مصرياً تركياً متسارعاً، وتنسيقاً رفيع المستوى في ملفات شرق المتوسط الحساسة، والملف الليبي، وإدارة الصراع في قطاع غزة، تنهار أمام أعينهم تماماً نظريات الاستفراد الجيوسياسي.
إن رؤية قوتين عسكريتين نظاميتين بهذا الحجم والوزن الديموغرافي والعسكري في حالة توافق وتنسيق حول الخطوط الحمراء للأمن الإقليمي، يسقط وإلى الأبد نظرية "الأمن المريح" التي عاش عليها الكيان، ويجعل لغة "الدبلوماسية الخشنة" المدعومة بأدوات الردع العسكري الثقيل هي الحاكمة والنائبة عن الجميع في المنطقة.
لقد أثبتت الدولة المصرية مراراً وتكراراً، وبأعلى درجات ضبط النفس، والحكمة، والصبر الاستراتيجي المحير، أن حدودها البرية والبحرية، ومصالحها الحيوية (سواء في محور فيلادلفيا، أو في أعماق حقول الغاز بالبحر المتوسط) هي خطوط حمراء مقدسة مكتوبة بالدم ، وأن أي تحرك متهور أو صبياني غير محسوب العواقب من أي أطراف يمنية متطرفة لن يُقابل ببيانات الشجب والدبلوماسية الناعمة، بل بأدوات ردع خشنة وحاسمة تملكها الدولة المصرية وتعرف بدقة متناهية متى وكيف وأين تستخدمها لقطع دابر المؤامرة.
الشبشب والبرص: لغة السحق التي تليق
في نهاية المطاف، نعود ونؤكد لبولارد ومن هم خلف بولارد: هناك فرق شاسع بَعد المَشرقين بين عنتريات جوفاء تُقال في "بودكاست" مرئي للاستهلاك المحلي الداخلي، ولرفع الروح المعنوية المنهارة لمجتمع يعيش بأسره على حبوب التهدئة والملاجئ، وبين مواجهة حقيقية على الأرض والواقع الصادم مع دولة بحجم وثقل مِصر.
مِصر كانت، وستظل، مقبرة تاريخية تتسع لكل الغزاة عبر العصور، وواحة للأمن والسلام لمن أراد السلم، وناراً مستعرة تحرق بلا رحمة من تسول له نفسه تخطي الخطوط أو التجرؤ على الحدود. تصريحات بولارد المسمومة لا تزيدنا هنا في مِصر إلا وعياً وتماسكاً، وتزيد أجهزتنا الاستخباراتية وعقيدتنا العسكرية يقظة واستعداداً، وتذكرنا دائماً بأن العدو يظل عدواً رابضاً مهما تبدلت الأقنعة السياسية ومهما طال الزمان.
طالما أن الجيش المصري مستيقظ، وأصابعه على الزناد، وعيونه الساهرة ترصد بالمليمتر كل شاردة وواردة، فليتحدث "البرص الصهيوني" كما يشاء من داخل جحره الضيق. وكما يقول المثل الشعبي المصري الأصيل الضارب في التعبير: "طول ما البرص مش شايف الشبشب هيفضل يرغي ويهرتل".. لكن عندما تحين اللحظة الحاسمة، وتتجرأ الأوهام لتتحول إلى أفعال على الأرض، فإن أدوات السحق التام جاهزة، ومستعدة، ومشتعلة.. والتاريخ لا يرحم، ويعيد نفسه دائماً، والزمن بيننا ليس ببعيد!
حفظ الله مِصر العظيمة، شعباً وجيشاً، وأدامها حصناً منيعاً صامداً تتهاوى تحت أسواره أوهام الحالمين وخيانات الجواسيس.