رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بالبنط العريض

في العاشر من أكتوبر 2025، انسحب الجيش الإسرائيلي من عمق قطاع غزة إلى ما يعرف "بالخط الأصفر"، الذي تنص عليه المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، المبني على خطة الرئيس ترامب والموقع بين حركة حماس وحكومة الاحتلال الإسرائيلي, "الخط الأصفر" في الأساس كان من المفترض أن يكون إجراء مؤقتا بانتظار انسحاب إسرائيلي كامل, لكن إسرائيل بدأت تحرك هذا الخط تدريجيا باتجاه الغرب، موسعة نطاق سيطرتها بدلا من تقليصه والآن يبدو أن نتنياهو وجدها فرصة في ظل انشغال الولايات المتحدة بحرب إيران -التي كان هو سببا فيها وجرالولايات المتحدة اليها- لكي يتوغل أكثر في غزة خارقا الاتفاق أوممهدا لعدم المضي قدما فيه, فكل المعطيات تقول أن نتنياهو يتذرع بأي شيء ليقول أن حماس لم تنفذ التزاماتها وأنه سيخرج من الاتفاق قبل بدء مرحلته الثانية التي بناء عليها سيخرج الجيش الإسرائيلي بشكل كامل من قطاع غزة وفق الخرائط والجداول الزمنية المتفق عليها.
بحسب تقرير نشرته مؤخرا صيفة الجارديان البريطانية توسع إسرائيل سيطرتها تدريجيا على قطاع غزة من خلال تمديد الخط الأصفر بعمق الأراضي الفلسطينية، ما يزيد من معاناة سكان القطاع, واستعرض التقرير كيف تحول خط وقف إطلاق النار المؤقت في قطاع غزة إلى أداة يستعملها الاحتلال الإسرائيلي لتوسيع سيطرته العسكرية على المنطقة، و هذا التوغل الإسرائيلي داخل الخط الأصفر يحدث بشكل تدريجي ومربك للسكان، إذ يستيقظ كثيرون ليجدوا أنفسهم فجأة داخل منطقة إطلاق نار، فبحلول ديسمبر الماضي ارتفعت نسبة الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل من 53% إلى 58%، واستمر هذا التوسع منذ ذلك الحين.. ويزيد من خطورة الوضع وجود ما تسميه إسرائيل "الخط البرتقالي"، وهو منطقة غير محددة بإشارات واضحة، وتمتد لمسافة تتراوح بين 200 و500 متر من الخط الأصفر، حيث يُعتبر أي وجود فلسطيني هناك تهديدا محتملا، وفق تقدير الاحتلال, كما تم بناء مواقع عسكرية محصنة جديدة، ليصل عددها إلى 32 موقعا، ما يعزز الانطباع بأن هذا الواقع قد يصبح دائما.
رغم أن استهداف المدنيين، بغض النظر عن قربهم من خطوط التماس، يُعد جريمة حرب, تشير بيانات الأمم المتحدة إلى استشهاد أكثر من 700 فلسطيني خلال فترة الهدنة، بينهم 269 قرب الخط الأصفر وضمنهم أكثر من 100 طفل.
الشاهد الآن أن "الخط الأصفر" لم يعد مجرد إجراء مؤقت، بل أصبح واقعا ميدانيا متغيرا يعيد تشكيل حياة الغزيين، الذين يعيشون في ظل خطر دائم وفي حالة من عدم اليقين, وتحريك إسرائيل للخط الأصفر قد يكون جزءا من استراتيجية أوسع، تستهدف المزيد من الخروقات للاتفاق, وهي كثيرة في الأيام الأخيرة, لكن بسبب انشغال العالم بحرب إيران لم تلق هذه الخروقات القدر الكافي من الضوء عليها, فقد أعلن وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الجيش سيضع علامات واضحة على طول الخط الأصفر في قطاع غزة لتكون بمثابة تحذير لكل من حماس وسكان غزة، بأن أي انتهاك أومحاولة لعبور الخط سيقابل بالنار على حد قوله.
يحدث كل هذا وسط حالة عدم ارتياح للإجراءات المستقبلية فيما يخص تنفيذ بنود اتفاق غزة في ظل بيئة ميدانية وسياسية معقدة تتحكم في مسار المرحلة المقبلة, حيث تتمسك حركة حماس والفصائل الفلسطينية بضرورة الالتزام الكامل بتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق وفق جدول زمني واضح وملزم، باعتبارها المدخل الأساسي لأي نقاشات لاحقة وترفض الحركة الدخول في ترتيبات جديدة أو مناقشة ملفات إضافية قبل استكمال هذه المرحلة بشكل كامل، بما يشمل البنود الإنسانية والانسحاب وفتح المعابر وإدخال المساعدات, في محاولة فلسطينية لتثبيت المرجعية التفاوضية على الاتفاق السابق، ومنع إعادة صياغة المسار وفق شروط جديدة قبل تنفيذ الالتزامات القائمة, وبينما ترفض حركة حماس خطة تدعو إلى نزع سلاحها في قطاع غزة، ضمن مقترح "مجلس السلام"، بالتوازي مع مفاوضات استضافتها القاهرة مؤخرا يتمسك نتنياهو بربط ملف نزح السلاح بمسار الاتفاق الشامل ويرفض أي صيغة من الممكن أن تتوافق عليها حركة حماس والفصائل الفلسطينية مع الوسطاء حول نزع السلاح، وترى الفصائل الفلسطينية أن هذا السلوك يتجاوز تسلسل الاتفاق ويخلّ بتوازناته، ما يجعله مرفوضًا في المرحلة الحالية.
كل الشواهد تقول أن اتفاق غزة في خطر وأن مصير مراحله التالية مجهولا رغم جهود الوسطاء لتثبيته.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة