أبيض وأسود
أعتمدت السينما أساسا على الصورة قبل أن تتحرك .. لذلك اهتم صناع السينما المصرية قديما بالفوتوغرافيا أي تصوير لقطات ثابتة أثناء تصوير الأفلام حتى يتم نشرها مصاحبة للأخبارالمنشورة في الصحف .. تذكرت ذلك وأنا أقرأ أحدث كتاب لمدير التصوير الكبير سعيد شيمي والذي صدر بعنوان "للصورة حياة" ،وذكر في المقدمة أن عنوان الكتاب كان تحية من أحد أصدقائه على "الفيسبوك" الذي قام بجمع عدد من الصور المأخوذة من أفلام سعيد شيمي وأرسلها له في تحية خاصة بعد حصوله على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي وصدر الكتاب عن دار الهالة للنشر.
قام سعيد شيمي بتصوير 108 فيلم روائي طويل مع أفضل المواهب الاخراجية في مصر مثل عاطف الطيب ومحمد خان وأشرف فهمي ونادر جلال وعلي عبد الخالق، وقد زادت مؤلفاته عن أربعين كتابا وهو يتذكر العديد من المواقف أثناء تصوير تلك الأفلام وهي ذكريات تمثل خلاصة خبرته في السينما والحياة أيضا ، وأول الأفلام التي يفخر بتصويرها هو فيلم "سواق الأتوبيس" اخراج عاطف الطيب وبطولة نور الشريف وميرفت أمين ويتذكر أنه قام بتصوير مشهد لقاء الأصدقاء عند الأهرامات صباحا بدلا من الليل ،ثم أستخدم "مرشحات" تعطي التأثير بالتصوير ليلا تحت ضوء القمر،وهو واحد من أجمل مشاهد الفيلم ولكن شيمي أعتبره مصنوعا وليس طبيغيا وكان من الأفضل تصويره ليلا.
ومع نفس المخرج قام سعيد شيمي بتصوير فيلم "الحب فوق هضبة الهرم" بطولة أحمد زكي وآثار الحكيم .. ويتذكر أن عاطف الطيب طلب تصوير كل المشاهد خارج الاستوديو وفي الأماكن الحقيقية سواء في الشارع أو في المقاهي والبيوت في امبابة وشبرا ، وهي مهمة صعبة جدا لكن النتيجة كانت رائعة وقد أصبح الفيلم الآن يمثل وثيقة تاريخية عن شوارع القاهرة قبل 44 عاما.
ولعل فيلم "العار" للمخرج علي عبد الخالق وبطولة نور الشريف وحسين فهمي ومحمود عبد العزيز من أكثر الأفلام جماهيرية التي قام بتصويرها سعيد شيمي .. وتعتبر المشاهد التي دارت أحداثها في "منطقة الملاحات" من أقوى مشاهد الفيلم خاصة بعد اكتشاف غرق صفائح المخدرات في الماء المالح .
أما فيلم "المجهول" فقد تم تصويره بالكامل في كندا وعلى بوستر الفيلم صورة للفنان الكبير عادل أدهم الذي قام بدور الخادم الأخرس المتخلف عقليا والذي يحلم بالطيران مثل العصافير .. الفيلم من اخراج أشرف فهمي عن مسرحية "سوء تفاهم" لألبير كامي وبطولة سناء جميل ونجلاء فتحي ويظهر عادل أدهم طوال الفيلم مرتديا "جاكت" سعيد شيمي الذي كان بالمصادفة ملائما لأحداث الفيلم .
في الكتاب العديد من الحكايات الممتعة حيث يأخذنا سعيد شيمي في رحلة جميلة الى ماضي السينما المصرية ويقدم رسائل ضرورية للسينمائيين الشباب .. نعم "للصورة حياة" لأن وراء كل صورة قصة فيلم أرتبط به الجمهور وأصبح أبطاله كأنهم شخصيات حقيقية عاشت معنا في الماضي ويتجدد اللقاء معهم عند كل مشاهدة جديدة لتلك الأفلام .