معا للمستقبل
في كل مرة تبحث فيها الأمم عن طريق مختصر للنهضة، تعود في النهاية إلى الحقيقة التي لا تقبل الجدل: لا طريق إلا عبر الإنسان. قد تختلف السياسات وتتبدل الأولويات، لكن التاريخ يظل شاهدًا على أن العلم والمعرفة هما نقطة البداية لأي صعود حقيقي. لم تُسجِّل كتب التاريخ أمة نهضت بالثروة وحدها، ولا دولة بلغت ذروة المجد اعتمادًا على وفرة الموارد الطبيعية دون أن تسند ذلك بعقول متعلمة ونُظم تعليمية راسخة. بل إن التجارب الكبرى تؤكد أن الإنسان إذا امتلك العلم، امتلك أدوات القوة، وإن فقده تلاشت أمامه حتى أعظم الإمكانات.
ولعل في قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ما يضع أساسًا واضحًا لهذه الحقيقة، فالعلم في التصور الإسلامي ليس ترفًا، بل فريضة وسبيل عمران. ويؤكد ذلك قول النبي ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وقوله: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة»، وهي نصوص تؤسس لمنظور حضاري يرى في المعرفة طريقًا للبناء لا خيارًا ثانويًا.
وحين ننظر إلى تجارب الأمم التي سبقت، نجد الصورة أكثر وضوحًا؛ فـاليابان التي خرجت من دمار الحرب العالمية الثانية بلا موارد تُذكر، جعلت من التعليم مشروعها القومي الأول، فنهضت خلال عقود قليلة إلى مصاف الدول الصناعية الكبرى. وكذلك كوريا الجنوبية التي انتقلت من الفقر المدقع إلى ريادة تكنولوجية وصناعية، وسنغافورة التي تحولت من جزيرة محدودة الإمكانات إلى مركز مالي عالمي. هذه النماذج الثلاثة، على اختلاف ظروفها، تلتقي عند نقطة واحدة واضحة: الاستثمار المنهجي في التعليم، وربط المعرفة بالإنتاج، والانضباط في التنفيذ.
وإلى جوار هذه النماذج، تبرز تجربة إيران بوصفها حالة مختلفة في سياقها، لكنها متشابهة في جوهرها. فبرغم عقود من العقوبات والضغوط الاقتصادية، اتجهت إلى بناء قاعدة علمية في مجالات دقيقة كالهندسة والفيزياء والتكنولوجيا، واستثمرت في التعليم والبحث العلمي كوسيلة لتعويض القيود المفروضة عليها. لم تحقق هذه التجربة كمالها، ولم تخلُ من التحديات، لكنها تقدم دلالة واضحة على أن الاستثمار في المعرفة يمكن أن يمنح الدول قدرة على الصمود والمناورة، حتى في أصعب الظروف.
في المقابل، تطرح أوضاع بعض الدول العربية تساؤلات صريحة، رغم ما تملكه من ثروات طبيعية هائلة: لماذا لم تتحول هذه الثروات إلى قوة علمية ومعرفية موازية؟ ولماذا لا يزال الاعتماد قائمًا على الخارج في التكنولوجيا والصناعة؟ وكيف يمكن تفسير هذه المفارقة بين وفرة الموارد وضعف المخرجات؟ الإجابة لا تكمن في نقص الإمكانات، بل في غياب الأولوية الحقيقية للعلم، وضعف الربط بين التعليم واحتياجات التنمية، وغياب التكامل بين مؤسسات الدولة المختلفة.
إن أزمة التعليم ليست في عدد الخريجين، بل في نوعية ما يحملونه من مهارات. حين تُنتج الجامعات أعدادًا كبيرة دون كفاءة حقيقية، تتسع الفجوة بين التعليم وسوق العمل، وتظهر آثارها في البطالة المقنّعة، وهجرة العقول، والإحباط العام. وحين تعمل مؤسسات التعليم والبحث العلمي في جزر منفصلة، يغيب التنسيق الذي يحوّل المعرفة إلى قوة إنتاجية حقيقية. وهنا لا يكون الخلل تعليميًا فحسب، بل بنيويًا يمسّ فكرة التخطيط الشامل.
ولا يمكن عزل هذه الأزمة عن انعكاساتها المجتمعية. فحين يتراجع دور العلم، تتقدم أنماط من السلوك تقوم على الاستهلاك غير المنتج، وتنتشر الخرافة والدجل، ويضعف الوعي العام، وتختل منظومة القيم. وهي نتائج لا تظهر فجأة، بل تتراكم عبر سنوات من إهمال العقل لصالح السطحية، ومن تقديم السهل على الصحيح.
ومع ذلك، فإن الطريق ليس مسدودًا. فكل التجارب الناجحة تؤكد أن التحول ممكن متى توفرت الإرادة والرؤية والصبر. لم تنهض في يوم وليلة، ولم تصل إلى ما وصلت إليه دون تضحيات، ولم تصبح نموذجًا عالميًا إلا بعد سنوات من العمل الدؤوب، كما أن لم تبنِ قدراتها العلمية إلا عبر مسار طويل من التركيز على التعليم والتخصصات الدقيقة.
إن الاستثمار في البشر هو الاستثمار الوحيد الذي لا ينضب. فالثروات الطبيعية إلى زوال، أما العقول المبدعة فهي القادرة على خلق بدائل لا تنتهي. والتعليم الجيد، والبحث العلمي المرتبط بالواقع، والتدريب المستمر، هي أدوات بناء هذا الإنسان القادر على حمل مشروع النهضة.
في النهاية، قد نختلف حول السياسات، لكن من الصعب الاختلاف على حقيقة واحدة: أن العلم هو مفتاح كل نهضة، وأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الوحيد لحل أزمات التخلف والتراجع. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يمتلك العرب الإرادة ليضعوا هذه الحقيقة موضع التنفيذ، لا في الخطاب فقط، بل في السياسات والموارد والقرارات؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد موقعنا في عالم لا يعترف إلا بمن يملك المعرفة، ويحسن توظيفها، ويصبر على بناء مستقبله خطوةً خطوة.
وعند استحضار دروس التاريخ القريب، تبرز ثلاث تجارب تكاد تُجمع عليها أدبيات التنمية بوصفها نماذج صريحة للنهضة القائمة على الإنسان: ، ، و؛ وهي دول بدأت بموارد محدودة نسبيًا، لكنها امتلكت وضوح الرؤية، فوضعت التعليم في صدارة أولوياتها، وربطته بالانضباط والإنتاج، فصنعت من الإنسان محورًا لكل مشروع نهضوي. وإذا ما اتسعت دائرة النظر، فإن تجارب مثل التي جسدت التحول الكمي الهائل عبر التعليم والتصنيع، و التي برزت في مجالات التكنولوجيا والبرمجيات، تؤكد المعنى ذاته: أن العلم حين يقترن بالإرادة يتحول إلى قوة لا تُقاوم. غير أن استدعاء هذه النماذج لا ينبغي أن يكون للتباهي بها أو استنساخها حرفيًا، بل لاستخلاص ما يلائم واقعنا ويخاطب تحدياتنا. وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يجب ألا نؤجله: ترى أي تجربة من هذه التجارب تناسب حالتنا؟ وهل نبدأ بإصلاح التعليم من جذوره، أم بربطه الفوري بسوق العمل، أم ببناء منظومة بحث علمي متكاملة؟ أم أن البداية الحقيقية تكمن في الجمع بين كل ذلك ضمن رؤية واحدة تؤمن بأن الإنسان هو البداية والنهاية لكل نهضة؟