رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

قهوة الصباح

في فنلندا مقولة شهيرة وراسخة تقول: «ما لم يتم حله في غرفة الساونا فلن يُحل في أي مكان آخر». قد تبدو العبارة للوهلة الأولى طريفة أو مبالغًا فيها، لكنها في الحقيقة تختصر فلسفة مجتمع كامل؛ مجتمع يؤمن بأن الهدوء والصراحة والبساطة قادرة على حل أعقد المشكلات.

الساونا في فنلندا ليست مجرد غرفة بخار، بل هي مساحة للتجرد من الألقاب والمظاهر. داخل تلك الغرفة الخشبية الصغيرة يختفي الرسمي وغير الرسمي، ويتحول الحوار إلى حديث إنساني مباشر. ولذلك نشأت مقولة أخرى في الثقافة الفنلندية تقول إن أهم القرارات في البلاد نوقشت يومًا ما داخل ساونا. ليست مبالغة كبيرة، فهذه الدولة الشمالية الصغيرة بنت جزءًا من ثقافتها السياسية والاجتماعية على فكرة الحوار الهادئ بعيدًا عن الضجيج.

ولعل هذا الهدوء نفسه هو الذي انعكس على السياسة الخارجية لما عُرف تاريخيًا باسم «الحياد الفنلندي». فقد عاشت فنلندا عقودًا طويلة بين قوتين كبيرتين في أوروبا: الشرق السوفيتي والغرب الأطلسي. وكانت الحكمة السياسية هناك تقوم على تجنب الاستفزاز، والبحث عن التوازن، والحفاظ على الاستقلال دون الانخراط في صراعات المحاور. حتى صار هذا النهج يُدرَّس في العلوم السياسية باسم «الفنلدة» أو Finlandization، أي نموذج الدولة الصغيرة التي تحافظ على استقلالها عبر سياسة دقيقة من التوازن والهدوء.

وليس غريبًا بعد ذلك أن تكون فنلندا اليوم من أسعد شعوب الأرض وفق تقارير السعادة الدولية. لكن سعادتهم ليست صاخبة كما في ثقافات أخرى؛ إنها سعادة هادئة، لا تُقاس بالضحك المرتفع بل بالطمأنينة. الفنلندي قد لا يبتسم كثيرًا، لكنه يعيش دون خوف من الغد، ودون قلق على التعليم أو العلاج أو العدالة. الثقة في الدولة والمجتمع هي العمود الفقري لهذه الطمأنينة.

تذكرت هذه الخصال كلها عندما رأيت الرئيس الفنلندي أمس في قصر الاتحادية إلى جوار الرئيس عبد الفتاح السيسي. المقارنة بين مصر وفنلندا تفتح أبوابًا واسعة للتأمل. هنا بلد صنعته الجغرافيا القاسية في الشمال، وهناك بلد صاغته حضارة النيل وعبقرية المكان. مصر دولة جبارة الجغرافيا والتاريخ والسكان، بينما فنلندا دولة هادئة المساحة قليلة البشر.

سكان مصر يزيدون على مئة مليون نسمة، أي أكثر من عشرين ضعف سكان فنلندا الذين لا يتجاوزون بضعة ملايين. القاهرة تُعرف تاريخيًا باسم «مدينة الألف مئذنة»، بينما تُعرف فنلندا باسم «بلاد الألف بحيرة». في مصر نرى صخب المدن ودفء الحياة الاجتماعية المتدفقة، وفي فنلندا نجد الغابات الممتدة، والأكواخ الخشبية، وملايين غرف الساونا التي أصبحت جزءًا من روح المجتمع.

ومع ذلك، فالمقارنة لا ينبغي أن تكون مقارنة تفاضل بين بلدين مختلفين في الطبيعة والتاريخ، بل هي فرصة للتأمل في فلسفات مختلفة للحياة. مصر علمت العالم معنى الحضارة والاستمرارية، وفنلندا تقدم نموذجًا معاصرًا في الهدوء الاجتماعي والثقة المؤسسية.

ربما لا نحتاج في مصر إلى غرف ساونا لحل مشكلاتنا، لكننا بالتأكيد نحتاج إلى شيء من تلك الروح الفنلندية: الهدوء، والثقة، والحوار الصريح.
فبعض القضايا الكبيرة لا تُحل بالصوت المرتفع، بل تُحل أحيانًا في غرفة هادئة… تشبه ساونا ، فهل توفر باكستان غرفة ساونا سيجتمع فيها الأمريكان والإيرانيين حتى تنجم تلك المفاوضات المتعثرة ؟ ام ان غرف الساونا الفنلندية لها سحر خاص ؟

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة