رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الخط المفتوح



منذ سنوات طويلة يتردد الحديث عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، باعتباره أحد أهم الملفات المرتبطة ببناء الوعي، ومواجهة التطرف، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتقديم صورة أكثر إشراقًا واعتدالًا عن الدين. غير أن التركيز المبالغ فيه على الخطاب الديني وحده، مع إغفال الخطاب المجتمعي والإعلامي والثقافي والسياسي، جعل كثيرين يتساءلون: هل أزمة المجتمع كله تكمن فقط في الخطاب الديني؟ وهل يمكن إصلاح الواقع إذا اكتفينا بتغيير لغة الوعظ، بينما بقيت بقية الخطابات على حالها؟

الحقيقة أن المجتمع لا يتحرك بخطاب واحد، بل بمجموعة من الخطابات المتشابكة التي تؤثر في عقل المواطن وسلوكه، بداية من الأسرة، مرورًا بالمدرسة والجامعة، ووصولًا إلى الإعلام والدراما ومواقع التواصل الاجتماعي. ولذلك فإن الحديث عن تجديد الخطاب الديني وحده لا يكفي، بل يجب أن يسبقه أو يوازيه تجديد شامل للخطاب المجتمعي كله.

فالأسرة المصرية مثلًا تحتاج إلى تجديد خطابها التربوي، بحيث تقوم العلاقة بين الآباء والأبناء على الحوار لا على الأوامر فقط، وعلى الإقناع لا على التخويف. كما أن المدرسة مطالبة بتجديد خطابها التعليمي، بعيدًا عن الحفظ والتلقين، إلى التفكير والإبداع واحترام الاختلاف. والإعلام أيضًا يحتاج إلى مراجعة حقيقية، لأن بعض البرامج والدراما تكرس للعنف والابتذال والسخرية والتنمر، ثم نطالب بعد ذلك المؤسسات الدينية وحدها بإصلاح المجتمع.

إن تجديد الخطاب المجتمعي يعني نشر قيم العمل والإنتاج والانضباط واحترام القانون والرحمة والتسامح، ويعني كذلك مواجهة خطاب الكراهية والشائعات والتنمر والتعصب بكل أشكاله. فكيف نطالب الشباب بالاعتدال بينما يشاهدون يوميًا لغة قاسية ومهينة في بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل؟ وكيف نطلب منهم احترام المرأة بينما تقدم بعض الأعمال الفنية صورة سلبية لها أو تتعامل معها كسلعة؟

أما الخطاب الديني نفسه، فلا شك أنه يحتاج إلى تطوير في الأسلوب واللغة وآليات الوصول إلى الناس، دون المساس بالثوابت أو الأحكام القطعية. فالدين في جوهره ثابت، لكن وسائل عرضه وفهم الواقع المتغير يجب أن تتطور. ومن هنا فإن تجديد الخطاب الديني لا يعني أبدًا هدم التراث أو التقليل من شأن العلماء، كما لا يعني الانسياق وراء أفكار دخيلة تريد إفراغ الدين من مضمونه.

المطلوب هو خطاب ديني أكثر قربًا من الناس، يجيب عن أسئلتهم الحقيقية، ويتعامل مع مشكلاتهم اليومية، ويتحدث بلغة يفهمها الشباب، دون تعقيد أو مصطلحات بعيدة عن واقعهم. نحتاج إلى دعاة وعلماء يمتلكون أدوات العصر، ويفهمون التكنولوجيا، ويعرفون طبيعة الجيل الجديد، ويستطيعون الرد على الشبهات والأفكار المتطرفة بلغة هادئة وعقلانية.

لكن هناك ملاحظات مهمة لا بد من طرحها في هذا السياق. أولها أن البعض يتعامل مع تجديد الخطاب الديني باعتباره مسؤولية المؤسسات الدينية وحدها، بينما المجتمع كله شريك في هذه المهمة. وثانيها أن هناك من يخلط بين التجديد والتفريط، فيظن أن التجديد معناه التنازل عن الثوابت، وهذا فهم خاطئ وخطير. وثالثها أن بعض الأصوات التي تطالب بالتجديد لا تريد إصلاح الخطاب الديني بقدر ما تريد مهاجمته أو تحميله مسؤولية كل أزمات المجتمع.

وهنا تبرز أسئلة حائرة لا تزال تبحث عن إجابة: لماذا نطالب الإمام أو الداعية بأن يجدد خطابه، بينما لا نطالب الفنان أو الإعلامي أو الكاتب أو السياسي بتجديد خطابه أيضًا؟ ولماذا نحمّل رجل الدين مسؤولية أخطاء المجتمع كله؟ وهل يمكن أن ينجح أي خطاب ديني معتدل في بيئة إعلامية وثقافية تمتلئ بالفوضى والضجيج والإثارة؟

وهل نحن فعلًا نريد تجديدًا حقيقيًا، أم أننا نريد فقط شعارات براقة تردد في المناسبات؟ وهل يمكن تحقيق هذا التجديد دون مشروع وطني شامل يبدأ من التعليم والإعلام والثقافة والأسرة؟

إن تجديد الخطاب المجتمعي هو المدخل الحقيقي لأي إصلاح شامل، لأن المجتمع لا يتغير بالخطب وحدها، بل بمنظومة متكاملة من القيم والمؤسسات. وإذا كان تجديد الخطاب الديني ضرورة، فإن تجديد الخطاب المجتمعي أصبح ضرورة أكبر، لأنه الإطار الأوسع الذي يصنع الإنسان، ويوجه وعيه، ويحدد شكل المستقبل.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة