رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

قهوة الصباح


تحدثتُ بالأمس عن ظاهرة المؤلَّفة جيوبهم الذين ظهروا في وادينا الطيب، أولئك الذين جعلوا مصالحهم بوصلتهم الوحيدة، وبدّلوا مواقفهم كما تُبدَّل الأقنعة في مسرحٍ رخيص. واليوم لا أتحدث عن الظاهرة ذاتها، بل عن ضرورة مواجهتها، لأن السكوت عليها لم يعد مقبولًا، ولا يمكن أن يستمر بلا ثمن.


هؤلاء لا يصنعون رأيًا عامًا بقدر ما يصنعون فوضى منظمة، ويشيدون جدران العبث بمداميك الخيانة والارتهان. لا أستسيغ—ولا ينبغي لأي عاقل منصف أن يستسيغ—أن يخرج أحدهم ليهاجم بلده إرضاءً لأولياء نعمته في الخارج، أو ليعرض وطنه في سوق الكلمات الرخيصة طلبًا لرضا ممولٍ أو تصفيقٍ عابر.


الاختلاف في الرأي حقٌ مشروع، بل هو علامة صحة في أي مجتمع حي، لكن الارتزاق باسم الرأي ليس حرية، والابتزاز باسم المعارضة ليس شجاعة. ليس من حق أحد أن يبتز الدولة المصرية، وليس مقبولًا أن نصمت بينما ترتفع مداميك العبث يومًا بعد يوم.


لقد بلغ السيل الزُّبى، ووصلت الروح الحلقوم، بعد أن نفد رصيد الصبر على أولئك الذين أساؤوا إلينا بانتمائهم إلينا. متسولون على موائد السياسة، ومرتزقة أجراء يتقلبون بين المواقف كما يتقلب التاجر بين البضائع.


ولهذا تبدو لحظتنا بحاجة إلى لغة واضحة لا لبس فيها، لغة تشبه تلك اللحظة التاريخية التي وقف فيها زياد ابن أبيه في أهل البصرة حين عمت الفوضى واضطربت الأمور، فألقى خطبته الشهيرة التي عُرفت في كتب التاريخ باسم" الخطبة البتراء."


لم يبدأ زياد خطبته بمقدمات طويلة، بل دخل مباشرة إلى صلب الرسالة، معلنًا أن زمن الفوضى قد انتهى، فقال في أهل البصرة:
«إني والله ما أعلم أحدًا منكم خالفني إلى شيءٍ من أمري إلا جعلتُه نكالًا لمن بعده.»
ثم مضى في خطبته محذرًا من استمرار العبث، ومؤكدًا أن الدولة لن تسمح للفوضى بأن تستمر، فقال:
«وإني لأقسم بالله لآخذنَّ الوليَّ بالولي، والمقيمَ بالظاعن، والمقبلَ بالمدبر، والمطيعَ بالعاصي.»

لم تكن تلك الكلمات مجرد تهديدٍ عابر، بل إعلانًا واضحًا بأن زمن التسيّب قد انتهى، وأن الدولة قررت أن تستعيد هيبتها مهما كان الثمن.


لسنا هنا بصدد استدعاء التاريخ للانتقام أو المبالغة، بل لاستلهام معناه. فالدول—في لحظات معينة—تحتاج إلى موقف واضح لا يحتمل التأويل. لأن ترك الفوضى تتضخم تحت لافتات زائفة من الحرية أو المعارضة لا يؤدي إلا إلى تقويض الدولة نفسها.


الوطن ليس فندقًا يقيم فيه المرء ما دام الطعام متوافرًا، ثم يغادره حين تتغير الظروف. الوطن عقد شرف بين الإنسان وأرضه وتاريخه ومستقبله. ومن يظن أن بإمكانه أن يبيع هذا العقد في سوق المصالح، فعليه أن يدرك أن الشعوب—قبل الدول—لا تنسى.


إن مصر أكبر من أن تُبتز، وأعمق من أن تهزها أصوات مأجورة، وأعرق من أن يعبث بتاريخها نفر من المؤلَّفة جيوبهم.


ولهذا فإن اللحظة التي نعيشها تحتاج—ربما أكثر من أي وقت مضى—إلى خطبة بتراء جديدة؛ خطبة لا تبدأ بالمقدمات، بل تبدأ بالحقيقة الواضحة:
أن الوطن ليس للبيع… وأن من يساوم عليه لا مكان له في ضميره ولا في مستقبله.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة