رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط


تحوّل الاستثمار في الوجع إلى صناعة رائجة، وصار الألم الإنساني مادة خام تُستهلك بلا رحمة تحت لافتة التريند، وفي قلب هذا المشهد القاسي يقف الطفل عصام، المعروف إعلاميًا بطفل الشنطة واللانشون، بوصفه ضحية صارخة لمنظومة رقمية متوحشة تلتهم البراءة وتعيد إنتاجها في صورة إعلان، لا إنسان.

ما جرى مع هذا الطفل ليس مجرد واقعة عابرة، بل جريمة مكتملة الأركان تُرتكب على مرأى ومسمع من الجميع، حيث تم تداول مشاهد له داخل فصل دراسي بمدرسة خاصة، يُسأل باللغة الإنجليزية في محاولة ظاهرها الدعم وباطنها الاستعراض والتسويق للمدرسة وصاحبها ، بينما كانت ملامحه تكشف انكسارًا نفسيًا عميقًا، لا تخطئه عين، وتفضح حجم الإهانة التي لا يمكن أن تمحوها ديكورات فاخرة أو كاميرات لامعة أو مدرسة تتحدث مع تلاميذها بالأنجليزية . هنا يفرض السؤال نفسه بقوة، إلى أي مدى يمكن أن يصل الاتجار بآلام البسطاء، وكيف يُسمح بتحويل طفل بريء إلى سلعة إعلامية تُستهلك لتحقيق مكاسب تجارية وشهرة زائفة.

إن استخدام الطفل في الدعاية المباشرة لأحد المطاعم يمثل ذروة الانحدار الأخلاقي، حيث يتم تجريده من إنسانيته وتحويله إلى أداة تسويق، تُباع من خلالها صور البؤس في قالب استعراضي زائف. هذا السلوك لا ينتهك فقط القيم المجتمعية، بل يصادم القوانين التي تكفل حماية الطفل من الاستغلال، ويضعنا أمام ضرورة ملحة لوقفة حاسمة ترفض هذا الانفلات، وتعيد الاعتبار لحقوق الأطفال التي لا يجوز العبث بها تحت أي مبرر.

الأخطر من ذلك أن ما يتعرض له عصام يتجاوز حدود الاستغلال الإعلامي إلى صدمة نفسية عميقة، نتيجة إقحامه المفاجئ في بيئة تعليمية وثقافية لا تشبهه، ولا تتناسب مع تكوينه النفسي والمعرفي. وضع طفل في بيئة تعتمد لغة لا يتقنها، وفرضه في مشهد استعراضي أمام الكاميرات، ليس دعمًا ولا تطويرًا، بل عنف نفسي مقنّع، يزرع بداخله شعورًا بالاغتراب والدونية، ويهدد توازنه النفسي على المدى البعيد. فالمساعدة الحقيقية لا تكون بالقفز فوق الواقع، بل ببناء مسارات تدريجية تحفظ كرامة الطفل وتراعي احتياجاته.

ومن الزاوية الاجتماعية، فإن تداعيات هذه الواقعة لا تقف عند لحظة التصوير، بل تمتد لتشكّل وصمة قد تلاحق الطفل لسنوات، حيث يتحول إلى رمز للفقر في وعي المجتمع، ويُسلب حقه في أن يعيش طفولته بشكل طبيعي. المدرسة التي يفترض أن تكون مساحة آمنة للتعلم، تتحول إلى منصة عرض، ويصبح الطفل مادة للفرجة، لا طالبًا للعلم. هذا الانكشاف القاسي يفتح الباب للتنمر، ويؤسس لاضطرابات عميقة في بناء الشخصية والهوية.

أما من الناحية القانونية والتربوية، فإن ما حدث يمثل انتهاكًا واضحًا لحقوق الطفل، وعلى رأسها الحق في الخصوصية والحماية من الاستغلال التجاري. السماح بتصوير طفل داخل مؤسسة تعليمية، واستغلال حالته الاجتماعية في محتوى إعلامي، يفرض مسؤولية مباشرة على الجهات المعنية، ويستدعي تحقيقًا عاجلًا يحدد المسؤوليات ويحاسب المتورطين. كما أن صمت المؤسسات الرقابية يمنح غطاءً غير مباشر لاستمرار هذه الممارسات، وهو أمر لا يمكن القبول به.

إن الدولة، بمؤسساتها التشريعية والتنفيذية، مطالبة اليوم بتحرك حاسم، يضع حدًا لهذا الانفلات، من خلال تشديد القوانين التي تجرّم استغلال الأطفال في المحتوى الرقمي، وتفعيل الرقابة على المنصات، بما يضمن حماية حقيقية للقاصرين. فالحماية ليست شعارًا، بل التزام دستوري وأخلاقي لا يحتمل التأجيل.
ومن خلال مقالي هذا اتقدم ببلاغ رسمي عاجل إلى الجهات المختصة بحماية الطفل في مصرو إلى كافة الجهات المعنية بحماية الطفولة في جمهورية مصر العربية، وعلى رأسها المجلس القومي للطفولة والأمومة، ووزارة التضامن الاجتماعي، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة الداخلية، والنيابة العامة، ووزارة الصحة والسكان، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، ووحدات حماية الطفل بالمحافظات، وذلك بشأن ما تعرض له الطفل المعروف إعلاميًا بطفل الشنطة واللانشون من انتهاكات جسيمة تمس كرامته وحقوقه الأصيلة المكفولة قانونًا ودستورًا، حيث تم استغلاله إعلاميًا وتجاريًا وتصويره داخل بيئة تعليمية بشكل ينطوي على انتهاك صريح لحقه في الخصوصية، وتعريضه لضغوط نفسية واجتماعية قد تترتب عليها أضرار بالغة على توازنه النفسي ومستقبله، وهو ما يشكل شبهة جرائم استغلال طفل والتعدي على حقوقه وفقًا لأحكام قانون الطفل والمواثيق الدولية ذات الصلة
وعليه التمس من سيادتكم فتح تحقيق عاجل وفوري في هذه الواقعة، واتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة لمحاسبة كل من يثبت تورطه في استغلال الطفل أو الإضرار به، ونداء الي المجلس الاعلي لتنظيم الاعلام لوقف نشر أو تداول أي محتوى ينتهك كرامته أو يستخدمه لأغراض دعائية أو تجارية، مع اتخاذ التدابير اللازمة لتوفير الحماية النفسية والاجتماعية له، وضمان عدم تكرار مثل هذه الوقائع مستقبلاً، وتفعيل الرقابة الصارمة على المحتوى الرقمي الذي يتناول الأطفال، خاصة في الحالات التي تنطوي على استغلال ظروفهم الاجتماعية، وذلك حفاظًا على حقوق الطفل وصونًا لكرامته التي لا يجوز المساس بها تحت أي ظرف ..
نؤكد بوضوح لا لبس فيه أن الهدف من هذا الطرح ليس حرمان الطفل عصام من أي دعم يستحقه، سواء كان ماديًا أو معنويًا، ولا الوقوف ضد أي محاولة صادقة لمساندته أو تحسين ظروفه المعيشية، فاحتياجه للدعم أمر مفهوم ولا جدال فيه، لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في الكيفية، حيث لا يجوز أن يتحول هذا الدعم إلى وسيلة للاستغلال أو إلى منصة لتحقيق مكاسب على حساب كرامته وحقوقه كطفل، إن ما نسعى إليه هو ضمان تقديم هذا الدعم في إطار إنساني منضبط، يحفظ له خصوصيته ويصون توازنه النفسي، بعيدًا عن ضجيج التريند وعدسات الكاميرات، فالتأهيل الحقيقي لا يكون بالاستعراض، بل بخطط مدروسة تضع مصلحة الطفل أولًا، وتمنحه فرصة للنمو الطبيعي في بيئة آمنة تحترم إنسانيته وتراعي احتياجاته، دون أن تدفع به إلى دائرة الضوء قبل أن يكتمل وعيه وقدرته على الاختيار
وفي الختام، يجب أن نعيد تعريف معنى الدعم الحقيقي، فمساعدة المحتاج لا تكون بفضحه، ولا برفع معاناته على منصات المشاهدة، بل بصون كرامته، وحمايته من أن يتحول إلى قصة تُستهلك ثم تُنسى. إن الطفل عصام ليس حالة فردية، بل جرس إنذار لمجتمع بأكمله، إما أن يستيقظ ليحمي أطفاله، أو يتركهم فريسة لمنصات لا تعرف الرحمة. كرامة الطفل ليست مادة إعلامية، ولا وسيلة للربح، بل حق أصيل لا يجوز المساس به، تحت أي ظرف، وبأي ذريعة.

مصطفي البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة